كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 342
المتابعة واحدة ، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس ، فقالوا : ( إماماً ) أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة ، لنحوز الأجر العظيم ، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله ( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وعكسه .
ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة ، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه .
وقال الرازي : فوصف مشيهم خطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم .
تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين ، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال : ( أؤلئك ) أي العالو الرتبة ، العظيمو المنزلة .
ولم اكان المقصود إنما هو الجزاء ، بني للمفعول قوله : ( يجزون ) أي فضلاً من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية ، والأحوال الصافية ) الغرفة ) أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها ، لأنها منتهى الطلب ، وغاية الأرب ، لا يبغون عنها حولاً ، ولا يريدون بها بدلاً ، وهي كل بناء عال مرتفع ، والظاهر أن المراد بها الجنس .
ولما كانت الغُرَب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن ، رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء فقال : ( بما صبروا ) أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم ، وغير ذلك من معاني جلالهم .
ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة ، قال : ( ويلقون ) أي بجعلهم الله لاققين بأيسر أمر ؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح ) فيها تحية ) أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض ، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ، ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن الله ينطقون ، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان ) وسلاماً ) أي من الله ومن الملائكة وغيرهم ، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب .
ولما كان هذا ناطقاً بدوام حياتهم سالمين بصريحه ، وبعظيم شرفهم بلازمه ، دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله : ( خالدين فيها ) أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ؛ ودل على علو أمرهان وعظيم قدرها ، بإبراز مدحها في مظهر

الصفحة 342