كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 343
التعجب فقال : ( حسنت ) أي ما أحسنها ) مستقراً ) أي موضع استقرار ) ومقاماً ) أي موضع إقامة .
ولما ثبت أمر الرحمانية ، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص ، ختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع ، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم ، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن ، وعن الاعتراف والإيمان ، ليرجعوا عن العصيان ، ويزداد المؤمنون في الطاعات الإيمان : إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه ، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم ، فقال : ( قل ما يعبؤا ) أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن ( ما ) نافية ) بكم ( اي أيها الكافرون ) ربي ) أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته ، المخصص لي بالإحسان برحيميته ، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم ) لولا دعاؤكم ( اي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم ، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه ، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه ، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار ) فقد كذبتم ( اي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم ، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان ، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان ، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد ، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد ، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها ، بسب أنكم قد كذبتم ، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته ، لأنكم قد كذبتم ، فكنتم شراً من البهائم ، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب ، والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء ، لأنكم مكذبون ، وإنما قلت : ( الآن ) لأن ( ما ) لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال ، عكس ( لا ) ) فسوف ( اي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك ، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم ، بل ) يكون ( جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال ، وكل بعيد عندكم قريب عنده ، وكل آتٍ قريب ، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم ) لزاماً ) أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عندكم بحال ، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم ، وذلهم وقهرهم ، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك ، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد ، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان ، لمن أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي التوفيق بالإيمان .
.. . .