كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 388
سيما قوم هود عليه السلام الذين هم عرب مثلكمن وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم ، والصلابة في جميع أركانهم ، إلى أن قالوا
77 ( ) من أشد منا قوة ( ) 7
[ فصلت : 15 ] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه ، لأن العرب أعلم الناس بأخبارهم .
ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة ، والتحذير من المخالفة ، لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم ، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير ، أجابوه بالقدح في الرسالة أولاً ، وباستصغار الوعيد ثانياً ، بأن ) قالوا إنما أ ، ت م المسحرين ) أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا ، فصار كلامهم على غير نظام ، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه السلام ، أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة : ثم اشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقاً لها ولو كانوا أعقل الناس وابعدهم عن الآفة بقولهم ، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر ، وأنه لا فرق بينه وبينهم : ( وما أنت إلا بشر مثلنا ) أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك ، والدليل على أن عطف ذلك ابلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم ؛ ) وإن ) أي وإنّا ) نظنك لمن الكاذبين ) أي العرقين في الكذب - هذا مذهب البصرين في أن ) إن ( مخففة من الثقيلة ، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا البصريين في أن ) إن ( نافية ، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في ) وما ( المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه ، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير كذب ، وهو أبلغ من إثبات الظن به ، ويؤيده تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزاً له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح عليه السلام ، فقالوا : ( فأسقط علينا كسفاً ( بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في رواية حفص ، وكلاهما جمع كسفة ، اي قطعاً ) من السماء ) أي سحاب ، أو الحقيقة ، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب ، ولو كان فيهم ادنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلاً عن طلبه ولا سيما كونه على وجخ التهكم ، ولذلك قالوا : ( إن كنت ) أي كوناً هو لك كالجبلة ) من الصادقين ) أي العريقين في الصدق ، المشهورين فيما بين أهله ، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب ، وما أحسن نظره إلى تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله .
ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله ، والقدرة على نكاله ، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله : ( قال ( مشيراً إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله ، وهو متصف بكلا الوصفين ، وأما هو فإنه وإن كان

الصفحة 388