كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 390
بك معرفة قبل ذلك ، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصقهم لهجة ، واعظمهم أمانة ، وأغزرهم عقلاً ، وأوضحهم نبلاً ، وأعلاهم همة ، وابعدهم عن كل دنس - وإن قل - ساحة ؛ ثم عجب من توقفهم في الإيمان مع ما عرفوا من صدق نبيهم وطهارة أخلاقه ، ووفور شفقته عليهم ، ولم يخافوا من مثب ما تحقفوه من إهلاك هذه الأمم فقال : ( وما كان أكثرهم ) أي أكثر قومك كما كان من قبلهم مع رؤية هذه الآيات ، وإحلال المثلات حتى لكأنهم تواصوا بذلك ) مؤمنين ) أي عريقين في الإيمان ، بل ما يؤمنون إلا وهو مشركون .
ولما كان هذا كله تأسية للداعي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتهديداً لمن تمادى على تكذيبه ، وترجية لمن رجع عن ذنوبه ، اشار إلى ذلك بقوله : ( وإن ربك ) أي المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ، ويوضح برهانك ) لهو العزيز ( فلا يعجزه أحد ، ولا ينسب في إمهال عاص إلى إهمال ولا عجز ) الرحيم ( فلا يأخذ إلا بعد تجاوز الحد ، واليأس عن الرد ، مع البيان الشافي ، في الإبلاغ الوافي ، والتلطف الكافي ، وكرر الختام بهذا الكلام في هذه السورة ثماني مرات فلعل من أسراره الإشارة إلى سبق الرحمة للغضب ، لأن من السورة - المفتتحة بالكتاب القيم والعبد الكامل بالإضافة إلى الملك الأعظم اللذين هما رحمة الخالق للخلائق ، وذكر فيها مع تقديمها في الترهيب أهل الرحمة من أهل الكهف الذين قالوا ) هب لنا من لدنك رحمة ( وموسى والخضر عليهما السلام اللذين آتى كلا منهما من لدنه رحمة ، وذا القرنين الذي آتاه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً وقال ) هذا رحمة من ربي ( - إلى سورة الرحمة بإنزال الفرقان على عبده المضاف إليه للإنذار المؤذن بصفة العزة - ثماني سور ، فكل منهما ثامنة الأخرى ، وافتتحت السورة الوالية للفرقان تفصيلاً لما في أول الكهف بقوله : ( لعلك باخع نفسك ( وبذكر ما على الأرض نم زينة ) ألم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ( كل ذلك تذكيراً بما في تلك من الكتاب الجامع بالرحمة ، وتحذيراً مما في القرآن من الإنذار الفارق بالعزة ، فلما كان ذلك كررت صفتا العز التي أذنت بها الفرقان ، والرحمة التي صرحت بها الكهف ثماني مرات بحسب ذلك العدد ، تذكيراً بهذا المعنى البديع ، وترغيباً وترهيباً وتذكيراً بأبواب الرحمة الثمانية مع ما لختم القصص بذلك من الروعة في النفس ، والهيبة في القلب ، والأنس البالغ للروح ، وقدمت هنا صفة العزة الناظرة للإنذار بالفرقان على طريق النشر المشوش مع ما اقتض ذلك من الحال هنا وجعلت القصص سبعاً تحذيراً من أبواب النقمة السبعة - إلىغير ذلك من الأسرار التي لا تسعها الأفكار .
ولما كانت آثار هذه القصص آيات مرئيات ، والإخبار بها آيات مسموعات ، وكان