كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 394
مضمونه وحققه بقوله : ( كذلك ) أي مثل هذا السلكالعجيب - الذي هو سماع وفهم ظاهري - في صعوبة مدخله وضيق مدرجه .
ولما لم يكن السياق مقتضياً لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد ، اكتفى بمجرد الحدوث فقال : ( سلكناه ) أي كلامنا والحق الذي ارسلنا به رسلنا بما لنا من العظمة ، في قلوبهم - هكذا كان الأصل ، ولكنه علق الحكم بالوصفن وعم كل زمن وكل من اتصف به فقال : ( في قلوب المجرمين ) أي الذين طبعناهم على الإجرام ، وهو القطيعة لما ينبغي وصله ، كما ينظم السهم إذا رمي به ، أو الرمح إذا طعن به في القلب ، لا يتسع له ، ولا ينشرح به ، بل تراه ضيقاً حرجاً .
ولما كان هذا المعنى خفياً ، بينه بقوله : ( لا يؤمنون به ) أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام ، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام ) حتى يروا العذاب الأليم ( فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان .
ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد .
وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلاً ، دل علىذلك مصوراً لحاله بقوله دالاً بالفاء على الأشدية والتعقيب : ( فيأتيهم بغتة ( .
ولما كان البغت الإتيان على غفلة ، حقق ذلك نافياً للتجوز بقوله : ( وهم لا يشعرون ( ودل على تطاوله في محالهم ، وجوسه لخلالهم ، وتردده في حلالهم ، بقوله دالاً على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك : ( فيقولوا ) أي تأسفاً واستسلاماً وتلهفاً في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه : ( هل نحن منظرون ) أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع .
ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به ، تسبب عنه ما يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله ، منبهاً على أن قدره يفوق الزصف بنون العظمة : ( أفبعذابنا ) أي وقد تبين لهم كيف كان أخذه للأمم الماضية ، والقرون الخالية ، والأقوام العاتية ) يستعجلون ) أي بقولهم : أمطر علينا حجارة من السماء ، أسقط السماء علينا كسفاً ، ائت بالله والملائكة قبيلاً ، كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم ، وتلونا ذكرهم ) فأسقط علينا كسفاً من السماء ( ونحو ذلك .
ولما تصورت حالة مآبهم ، في أخذهم بعذابهم ، وكان استعجالهم به يتضمن الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون ، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول زمانه ، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم ، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم مسلياً

الصفحة 394