كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 395
ومؤسياً ومعزياً فقال : ( أفرأيت ) أي هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ) إن متعناهم ) أي في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة .
ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد ، عبر بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال : ( سنين ثم جاءهم ) أي بعد تلك السنين المتطاولة ، والدهور المتواصلة ) ما كانوا يوعدون ) أي مما طال إنذارك إياهم بهه وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم والتمكين في إسماعهم ، أخبرني ) ما ) أي أيّ شيء ) أغنى عنهم ) أي فيما أخذهم من العذاب ) ما كانوا ) أي كوناً هو في غاية المكنة وطول الزمان ) يمتعون ( تمتيعاً هو في غاية السهولة عندنا ، وصورة بصورة الكائن تنديماً عليه ، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئاً لأن عاقبته الهلاك ، وزادهم بعداً من الله وعذابه بزيادة الاثام الموجبة لشديد الانتقام .
ولما كان التقدير : لم يغن عنهم يئاً لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار المنذرين ، لمشافهتك إياهم به ، وسماعهم لمثل ذلك عمن مضى فبلهم من الرسل ، عطف عليه قوله : ( وما أهلكنا ) أي بعظمتنا ، واعلم بالاستغراق بقوله : ( من قرية ) أي من القرى السالفة ، بعذاب الاستئصال ) إلا لها منذرون ( رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل ، واعراها من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر ، لأن المنذرين مشاهدون .
وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك ؛ ثم علل افنذار بقوله : ( ذكرى ) أي تنبيهاً عظيماً على ما فيه من النجاة ، وتذكيراً بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر عقولهم ، وقادت إليه بصائر قلوبهم ، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى
77 ( ) قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً ( ) 7
[ الطلاق : 10 ] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه .
ولما كان التقدير : فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق ، عطف عليه قوله : ( وما كنا ( أو الواو للحال من نون ) أهلكنا ( ) ظالمين ) أي في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا ، وعبدوا غيرنا ، بعد الإعذار إليهم ، ومتابعة الحجج ، ومواصلة الوعيد .
ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن كونه ( صلى الله عليه وسلم ) من المنذرين ، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين ، عطف على قوله : ( نزل به الروح ( قوله إعلاماً بأن العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس عنه بقوله : ( وما تنزلت به ) أي القرآن ) الشياطين ) أي ليكون سحراً أو كهانة أو شعراً أو أضغاث أحلام كما يقولون .