كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 399
ولما كانت هذه الأحوال مشتملة على الأقوال ، وكان قد قدم الرؤية المتضمنة للعلم ، علل ذلك بالتصريح به مقروناً بالسمع فقال : ( إنه هو ) أي وحده ) السميع ) أي لجميع أقوالكم ) العليم ) أي بجميع ما تسرونه وتعلونونه من أعمالكم ، وقد تقدم غير مرة أن شمول العلم يستلزم تمام القدرة ، فصار كأنه قال : إنه السميع العليم البصير القدير ، تثبيتاً للمتوكل عليه .
ولما بين سبحانه أن القرآن مناف لأقوال الشياطين ، وبين أن حال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وحال أتباعه منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان بما ذكره سبحانه من فعله ( صلى الله عليه وسلم ) وفعل أشياعه رضي الله عنهم منالإقبال على الله ، والإعراض عما سواه ، فعلم أن بينهم وبينهم بوناً بعيداً ، وفرقاً كبيراً شديداً وأن حال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) موافق لحال الروح الأمين ، النازل عليه بالذكر الحكيم ، تشوفت النفس إلى معرفة أحوال إخوان الشياطين ، مقال محركاً لمن يريد ذلك ، متمماً لدفع اللبس عن كون القرآن من عند الله ، وفرق بين الآيات المتكلفة بذلك تطرية لذكرها وتنبيهاً على تأكيد أمرها : ( هل أنبئكم ) أي أخبركم خبراً جليلاً نافعاً في الدين ، عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان ) على من تنزل ( وتردد ) الشياطين ( حين تسترق السمع على ضرب من الخفاء بما آذن به حذف التاء ، ودخل حرف الجر على الاسم المتضمن للاستفهام ، لأن معنى التضمن أنه كان أصله : أمن ، فحذفت منه الهمزة حذفاً مستمراً كما فعل في ( هل ) لأن أصله ( أهل ) كما قال :
سائل يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
فالاستفهام مقدر الجار - أفاده الزمخشري .
ولما كان كأنه قيل : نعم أنبئنا قال : ( تنزل ( على سبيل التدريج والتردد ) على كل افاك ) أي صراف - على جهة الكثرة والمبالغة - للأمور عن وجوهها بالكذب والبهتان ، والخداع والعدوان ، من جملة الكهان وأخذان الجان ) أثيم ( فعال االآثام بغاية جهده ، وهؤلاء الأثمة ) يلقون السمع ( إلى الشياطين ، ويصغون إليهم غاية الإصغاء ، لما بينهما من التعاشق بجامع إلقاء الكذب من غير اكتراث ولا تحاش ، أو يلقي الشياطين ما يسمعونه مما يسترقون استماعه من الملائكة إلى أوليائهم ، فهم بما سمعوا منهم يحدثون ، وبما زينت لهم نفوسهم يخلطون ) وأكثرهم ) أي الفريقين ) كاذبون ( فيما ينقلونه عما يسمعونه من الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط ، وما زادوه من الافتراء والتخبيط انهماكاً في شهوة علم المغيبات ، الموقع في الإفك والضلالات ؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما كان استقامة في حال

الصفحة 399