كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 400
الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملاءكة ، وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين ، فمن ناسب الروحانيين من الملائكة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم له ، وتأثيرهم فيه ، وتمثلهم به ، حتى إذا ظهروا عليه تلكم بكلامهم وتكلموا بلسانه ، ورأى بابصارهم وابصروا بعينيه ، فهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين
77 ( ) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ( ) 7
[ فصلت : 30 ] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه ، وظهورهم بلسانه ، ورأى بأبصارهم وابصروا بعينيه ، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض مفسدين - انتهى .
ولما بطل - بإبعاده عن دركات الشياطين ، وإصعاده إلى درجات الروحانيين ، من الملائكة المقربين ، الآتين عن رب العالمين - كونه سحراً ، وكونه أضغاثاً ومفترى ، نفى سبحانه كونه شعراً بقوله : ( والشعراء يتبعهم ) أي بغاية الجهد ، في قراءة غير نافع بالتشديد ، لاستحسان مقالهم وفعالهم ، فيتعلمون منهم وينقلون عنهم ) الغاوون ) أي الضالون المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنى والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك ، وهم كما ترى بعيدون من أتباع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين .
ولما قرر حال أتباعهم ، فعلم منه أنهم هم أغوى منهم ، لتهتكهم في شهوة اللقلقة باللسان ، حتى حسن لهم الزور والبهتان ، دل على ذلك بقوله : ( ألم تر أنهم ) أي الشعراء .
ومثل حالهم بقوله : ( في كل واد ) أي من أودية القول من المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون وغير ذلك ) يهيمون ) أي يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين ، كيفما جرهم القول انجروا من القدح في الأنساب ، والتشبيب بالحرم ، والهجو .
ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك ، ولهذا قال : ( وأنهم يقولون ما لا يفعلون ( اي لنهم لم يقصدوه .
وإنما أجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر اقوالهم لا حقائق لها ، انظر إلى مقامات الحريري وما اصطنع فيها من الحكايات ، وابتدع بها من الأمور المعجبات .
التي لا حقائق لها ، وقد جعلها أهل الاتحاد أصلاً لبدعتهم الطافرة ، وقاعدة لصفقتهم الخاسرة ، فنا أظهر حالهم ، وأوضح ضلالهم وهذا بخلاف القرن فإن معان جليلة محققة ، في ألفاظ متينة جميلة منسقة ، وأساليب معجزة مفحمة ، ونظوم معجبة محكمة ، لا كلفة في شيء منها ، فلا رغبة لذي طبع سليم عنها ، فأنتج ذلك أنه لا يتبعهم على أمرهم إلا غاو مثلهم ، ولا يزهد في هذا القرآن إلا من طبعه جاف ، زقلبه مظلم مدلهم .