كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 411
ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات ، فسمعه بجميع الحواس ، أمر بالتنزيه ، تحقيقاً لأمر من أمره سبحانه ، وتثبيتاً له ، فقال عاطفاً على ما أرشد السياق إلى تقديره من مثل : فأبشر بهذه البشرى العظيمة : ( وسبحان الله ) أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيهاً يليق بجلاله ، ويجوز أن يكون خبراً معطوفاً على ) بورك ) أي وتنزه الله سبحانه تنزهاً يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن .
ولما كان تعليق ذلك بالاسم العم دالاً على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال ، من الجلال والجمال ، وصفه بما يعرف أنه يستحقه أيضاً لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه الصلاة والسلام كبيراً بعد ما رباه به صغيراً ، فقال : ( رب العالمين ( .
ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحاً ، قال معظماً له تمهيداً لما أراد سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات : ( يا موسى إنه ) أي السأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه ) أنا الله ) أي البالغ من العظمة ما تقصر عنه الأوهام ، وتتضاءل دونه نوافذ الإفهام ، ثم أفهمه مما تتضمن ذلك وصفين يدلانه على أفعاله معه فقال : ( العزيز ) أي الذي يصل إلى جميع ما يريد ولا يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد ) الحكيم ) أي الذي ينقص كل ما يفعله غيره إذا أراد ، ولا يقدر غيره أن ينقض شيئاً من فعله .
ولما كان التقدير : فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه ، ولا تخف من شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة ، محروس بسور العزة ، دل عليه بالعطف في قوله : ( وألق عصاك ) أي لتعلم علماً شهودياً عزتي وحكمتي - أو هو معطوف على ) أن بروك ( - فألقاها كما أمر ، فصارت في الحال - بما أذنت به الفاء - حية عظيمة جداً ، هي - مع كونها في غاية العظم - في نهاية الخفة والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد ) فلما رآها تهتز ) أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر ) كأنها جآن ) أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها ، ولا ينافي ذلك كبر جثتها ) ولى ) أي موسى عليه الصلاة والسلام .
ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان ، بين المراد بقوله : ( مدبراً ( اي التفت هارباً منها مسرعاً جداً لقوله : ( ولم يعقب ( اي لم يرجع على عقبه ، ولم يتردد في الجد في الهرب ، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته ، يقال : عقب عليه تعقيباً ، اي كر ، وعقب في الأمر تعقيباً : تردد في طلبه مجداً - هذا في ترتيب المحكم .
وفي القاموس : التعقيب : الالتفات .
وقال القزاز في ديوانه : عقب - إذا انصرف راجعاً فهو معقب .