كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 423
التي بالغ في وصفها ، تشوفت النفس إلى قولها عند ذلك ، فكان كأنه قيل : فأخذ الكتاب وذهب به ، فلما ألقاه إليها وقرأته ، وكانت كاتبة نم قوم تبع ) قالت ( لقومها بعد أن جمعتهم معمظمة لهم ، أو لأشرافهم فقط : ( يا ايها الملؤا ) أي الأشراف .
ولما كان من شأن الملوك أن لا يصل إليهم أحد بكتاب ولا غيره إلا على ايدي جماعتهم ، عظمت هذا الكتاب بأنه وصل إليها على غير ذلك المنهاج فبنت للمفعول قولها : ( إني ألقي إليَّ ) أي بإلقاء ملق على وجه غريب ) كتاب ) أي صحيفة مكتوب فيها كلام وجيز جامع .
ولما كان الكريم كما تقدم في الرعد - من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لأنه ضد اللئيم ، وكان هذا الكتاب قد حوى من الشرف أمراً باهراً لم يعهد مثله منجهة المرسل والرسول والافتتاح بالاسم الأعظم إلى ما له من وجازة اللفظ وبلوغ المعنى ، قالت : ( كريم ( ثم بينت كرمه أو استأنفت جواباً لمن يقول : ممن هو وما هو ؟ فقالت : ( إنه ) أي الكتاب ) من سليمان ( وفيه دلالة على أن الابتداء باسم صاحب الكتاب لا يقدح في الابتداء بالحمد ) وأنه ( اي المكتوب فيه ) بسم الله الرحم الرحيم ( فحمد المستحق للحمد وهو الملك الأعلى المحيط عظمه بدائرتي الجلال والإكرام ، العام الرحمة بك نعمة ، فملك الملوك من فائض ما له من الإنعام الذي يخص بعد العموم من يشاء بما يشاء مما ترضاه ألوهيته من إنعامه العام ، بعد التعريف باسمه إشارة إلى أنه المدعو إليه للعبادة بما وجب له لذاته وما استحقه بصفاته ، وذلك كله بعد التعريف بصاحب الكتاب ليكون ذلك أجدر بقبوله ، لأن أكثر الخلق إنما يعرف الحق بالرجال ، ولما في كتابه من الدلالة على نبوته ، فسر مراده بأمر قاهر فقال : ( ألا تعالوا عليّ ) أي لا تمتنعوا من الإجابة لي ، والإذعان لأمري ، كما يفعل الملوك ، بل اتركوا علوهم ، لكوني داعياً إلى الله الذي أعلمت في باء البسملة لا تكون حركة ولا سكون إلا به ، فيجب الخضوع له لكونه رب كل شيء ) وأتوني مسلمين ) أي منقادين خاضعين بما رايتم من معجزتي في أمر الكتاب .
ولما تشوفت النفس غلى جوابهم ، أعلم سبحانه بأنهم بهتوا فقال : ( قالت يا أيها الملؤا ( ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها : ( أفتوني ) أي تكرموا عليّ بالإبانة عما أفعله ) في أمري ( هذا الذي أجيب به عن هذا الكتاب ، جعلت المشورة فتوى توسعاً ، لأن الفتوى الجواب في الحادثة ، والحكم بما هو صواب مستعار من الفتاء في السن الذي صفرة العمر ؛ ثم عللت أمرها لهم بذلك بأنها شأنها دائماً مشاورتهم في كل جليل وحقير ، فكيف بهذا الأمر الخطير ، وفي ذلك استعطافهم