كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 426
التصريح بضميرها ، وتعميماً لكل من يهتم بأمرها ويطيعها ) فلنأتينهم بجنود لا قبل ) أي طاقة ) لهم بها ) أي بمقابلتها لمقوامتها وقلبها عن قصدها ، أي لا يقدرون أن يقابلوها ) ولنخرجنهم منها ) أي من بلادهم ) أذلة ( .
ولما كان الذل قد يكون لمجرد الانقياد ، لا على سبيلالهوان ، حقق المراد بقوله : ( وهم صاغرون ) أي لا يملكون شيئاً من المنعة إن لم يقروا بالإسلام .
ولما ذهب الرسل ، وعلم صلى الله عليه السلام مما رأى من تصاغرهم لما رأوا من هيبته وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة ) قال ( لجماعته تحقيقاً لقوله : ( وأوتينا من كل شيء ( لإعلامه بأنها استوثقت من عرشها : ( يا ايها الملؤ ) أي الأشراف ) أيّكم يأتيني بعرشها ( لترى بعض ما تاني الله من الخوارق ، فيكون أعون على متابعتها في الدين ، ولآخذه قبل أن يحرم أخذه بإسلامها ، وأختبر به عقلها ) قبل أن يأتوني ( اي هي وجماعتها ) مسلمين ) أي منقادين لسلطاني ، تاركين لعز سلطانهم ، منخلعين من عظيم شأنهم ، ليكون ذلك أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على رسوخ الإيمان في قلبها وإخلاصها فيه ) قال عفريت ( .
ولما كان هذا اللفظ يطلق على الأسد ، وعلى المارد القوي ، وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وقوة - وقال الرازي : مع خبث ومكر - وعلى غيره ، بينه بأن قال : ( من الجن أنا ( الداهية الغليظ الشديد ) آتيك به ( ولما علم أن غرضه الإسراع قال : ( قبل أن تقوم من مقامك ) أي مجلسك هذا ، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله : ( وإني عليه ) أي الإتيان به سالماً ) لقوي ( لا يخشى عجزي عنه ) أمين ( لا يخاف انتفاضي شيئاً منه .
ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة ، دلالة على أنه تعالى حكيم عليم ، ترغيباً في القرآن ، وحثاً على ما أفاده من البيان ، قال حاكياً لذلك استئنافاً جواباً لاستشراقه ( صلى الله عليه وسلم ) لأقرب من ذلك : ( قال الذي عنده ( .
ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله ، اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال : ( علم ( تنبيهاً على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على نعلمه ، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعم الشرعي فقال : ( من الكتاب ) أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره ، وهو المنسوب إلينا ، وكأنه الذي كان شهيراً في ذلك الزمان ، ولعله التوراة والزبور ، إشارة إلى أن من خدم كتاباً حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي