كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 428
إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) 73
( ) 71
ولما قدم - كما هو دأب الصالحين - الشكر ، علم أنه يفعل في العرش ما لأجله أحضره ، تشوفت النفس إليه فأجيبت بقوله : ( قال ) أي سليمان عليه السلام : ( نكروا لها عرشها ) أي بتغيير بعض معالمه وهيئته اختباراً بعقلها كما اختبرنا هي بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك ، وإليه الإشارة بقوله : ( ننظر أتهتدي ) أي إلى معرفته فيكون ذلك سبباً لهديتها في الدين ) أم تكون من الذين ( شأنهم أنهم ) لا يهتدون ) أي بل هم في غاية الغباوة ، لا يتجدد لهم اهتداء ، بل لو هدوا لوقفوا عند الشيه ، وجادلوا بالباطل وما حلوا ، وأشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله : ( فلما جاءت ( وكان مجيئها - على ما قيل - في اثنى عشر ألف قيل من وجوه اليمن ، تحت يد كل قيل ألوف كثيرة ، وكانت قد وضعت عرشها داخل بيت منيع ، ووكلت به حرساً أشداء ) قيل ) أي لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره بتقليب نصبه وتغييره ، من قائل لا يقدر على السكوت عن جوابه لما نالها من الهيبة وخالطها من الرعب منعظيم ما رت ، فقرعها بكلمة تشمل على أربع كلمات : هاء التنبيه ، وكاف التشبيه ، واسم الإشارة ، مصدرة بهمزة الاستفهام ، أي تنبهي ) أهكذا ( أمثل ذا العرش ) عرشك قالت ( عادلة عن حق الجواب من ( نعم ) أو ( لا ) إشارة إلى أنها غلب على ظنها أنه هو بعينه كما قالوا في ( كأن زيداً قائم ) : ( كأنه هو ( وذلك يدل على ثبات كبير ، وفكر ثاقب ، ونظر ثابت ، وطبع منقاد ، لتجويز المعجزات والإذعان لها مع دهشة القدوم ، واشتغال الفكر بما دهمها من هيبته وعظيم أمره ، فعلم سليمان عليه السلام رجاحة عقلها وبطلان ما قال الشياطين من نقصه خوفاً من أن يتزوجها فتفشي عليه أسرار الجن لأن أمها كانت جنية - على ما قيل ، وقالوا : إن رجلها كحافر الحمار ، وإنها كثيرة الشعر جداً .
ولما كانت مع ذلك قد شبه عليها ولم تصل إلى حاق الانكشاف مع أنها غلبت على عرشها مع الاحتفاظ عليه ، استحضر ( صلى الله عليه وسلم ) ما خصه الله به من العلم زيادة في حثه على الشكر ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فأوتيت من أمر عرشها علماً ، ولكنه يخالجه شك ، فدل على أنها في الجملة من أهل العلم المهيئي للهداية ، أو يكون التقدير بما دل عليه ما يلزم من قولها ) كأنه ( : فجهات أمر عرشها على كثرة ملابستها له : ( وأوتينا ( معبراً بنون الواحد المطاع ، لا سيما والمؤتى سبب لعظمة شرعية ، وهو العلم الذي لا يقدر على إيتائه غير الله ، ولذلك بني الفعل للمفعول لأن فاعله معلوم ) العلم ( أي