كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 429
بجميع ما آتانا الله علمه ، ومنه أنه يخفى عليها ) من قبلها ) أي من قبل إتيانها ، بأن عرشها يشتبه عليها ، أو من قبل علمها بما ظنت من أمر عرشها ، أو أنا وأسلافي من قبل وجودها ، فنحن عريقون في العلم ، فلذلك نحن على حقيقة من جميع أمورنا ، وإنما قال : ( ننظر أتهتدي ( بالنسبة إلى جنوده .
ثم ذكر السبب في وجود العلم واتساعه وثباته فقال : ( وكنا ) أي مع العلم الذي هيأنا الله له بما جعل في غرائزنا من النورانية ) مسلمين ) أي خاضعين لله تعالى عريقين في ذلك مقبلين على جميع أوامره بالفعل على حسب أمره كما أشار أليه قوله تعالى :
77 ( ) واتقوا الله ويعلمكم الله ( ) 7
[ البقرة : 282 ] ،
77 ( ) يهديهم ربهم بإيمانهم ( ) 7
[ يونس : 9 ] .
ولماكان المعنى : وأما فإنها وإن أوتيت علماً فلم يكن ثابتاً ، ولا كان معه دين ، ترجمه بقوله : ( وصدها ) أي هي عن كمال العلم كما صدها عن الدين ) ما ) أي المعبود الذي ) كانت ) أي كوناً ثابتاً في الزمن الماضي ) تعبد ) أي عبادة مبتدئة ) من دون الله ) أي غير الملك الأعلى الذي له الكمال كله أو أدنى رتبة من رتبته ، وهي عبادة الشمس ليظهر الفرق بين حزب الله الحكيم العليم وحزب إبليس لسفيه الجهول .
ثم علل ذلك إشارة إلى عظيم نعمة الله عليه بالنعمة على أسلافه بقوله : ( إنها ( وقرىء بالفتح على البدل منفاعل ( صد ) ) كانت من قوم ) أي ذوي بطش وقيام ) كافرين ) أي فكان ذلك سبباً - وإن كانت في غاية من وفور العقل وصفاء الذهن وقبول العلم كما دل عليه ظنها في عرشها ، ما يهتدي له إلا من عنده قابلية الهدي - في اقتفائها لآثارهم في الدين ، فصديت مرآة فكرها ونبت صوارم عقلها .
ولما تم ذلك ، كان كأنه قيل : هل كان بعد ذلك اختبار ؟ فقيل : نعم ) قيل لها ) أي من قائل من جنود سليمان عليه السلام ، فلم تمكنها المخالفة لما هناك من الهيبة بالملك والنبوة والدين : ( ادخلي الصرح ( وهو قصر بناه قبل قدومها ، وجلس في صدره ، وجعل صحنه من الزجاج الأبيض الصافي ، وأجرى تحته الماء ، وجعل فيه دواب البحر ، وأصله - كما قال في الجمع بين العباب والمحكم : بيت واحد يبني منفرداً ضخماًطويلاً في السماء ، قال : وقيل : كل بناء متسع مرتفع ، وقيل : هو القصر ، وقيل : كل بناء عال مرتفع ، والصرح : الألاض المملسة ، وصرحة الدار ساحتها .
ودل على مبادرتها لامتثال الأمر وسرعة دخولها بالفاء فقال : ( فلما رأته ( وعبر بما هو من الحسبان دلالة على أن عقلها وأن كان في غاية الرجاحة ناقص لعبادتها لغير الله فقال : ( حسبته ) أي لشدة صفاء الزجاج واتصال الماء بسطحه الأسفل ) لجة ) أي غمرة عظيمة من ماء ، فعزمت على خوضها إظهاراً لتمام الاستسلام ) وكشفت عن ساقيها (