كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 431
ولماأتم سبحانه هذه القصة المؤسسة على العلم المشيد بالحكمة المنبئة عن أن المدعوين فيها أطبقوا على الاستسلام للدخول في الإسلام ، مع أبالة الملك ورئاسة العز ، والقهر على يد غريب عنهم بعيد منهم ، أتبعها قصة انقسم أهلها مع الذل والفقر فريقين مع أن الداعي منهم لا يزول باتباعه شيء من العز عنهم ، مع ما فيها من الحكمة ، وإظهار دقيق العلم بإبطال المكر ، بعد طول الأناة والحلم ، فقال تعالى مفتتحاً بحرف التوقع والتحقيق لمن ظن أن هذا شأن كل رسول مع يدعوهم ، عاطفاً على ) ولقد آتينا داود ( : ( ولقد أرسنا ) أي بما لنا من العظمة ) إلى ثمود ( ثم أشار إلى العجب من توقفهم بقوله : ( أخاهم صالحاً ( فجمع إلى حسن الاسم وقرب النسب .
ثم ذكر المقصود منالرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن ، وهو الاعتراف بالحق لأهله ، فقال : ( أن اعبدوا الله ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له وحده ، ولا تشركوا به شيئاً ولا سيما شيئاً لا يضر بوجه ولا ينفع ، بياناً لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقون على ذلك عربهم وعجمهم .
ثمزاد في التعجيب منهم بما أشارت إليه الفاء وأداة المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما يدعو إلى الاجتماع فقال : ( فإذا هم ) أي ثمود ) فريقان ( ثم بين بقوله : ( يختصمون ( أنها فرقة افتراق بكفر وإيمان ، لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان ، فبعضهم صدق صالحاً واتبعه كما مضى في الأعراف .
وتأتي هنا الإشارة إليه بقوله ( وبمن معك ) وبعضهم استمر على شركه وكذبه ، وكل فريق يقول : أنا على الحق وخصمي على الباطل .
ثم استأنف بما أشار إليه حرف التوقع من شدة التشوف قائلاً : ( قال ) أي صالح مستعطفاً في هدايته : ( يا قوم ) أي يا أولاد عمي ومن فيهم كفاية للقيام بالمصالح ) لم تستعجلون ) أي تطلبون العجلة بالإتيان ) بالسيئة ) أي الحالة التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة التي أنذرت بها من كفر ) قبل ( الحالة ) الحسنة ( من الخيرات التي أبشركم بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم ، والاستعجال : طلب الإتيان بالأمر قبل الوقت المضروب له .
واستعجالهم لذلك للإصرار على سببه وقولهم استهزاء ) أئتنا بما تعدنا ( ) لولا ) أي هلا ولم لا ) تستغفرون الله ) أي تطلبون غفران الذي له صفات الكمال لذنوبكم السالفة بالرجوع إيه بالتوبة بإخلاص العبادة له ) لعلكم ترحمون ) أي لتكونوا على رجاء من أن تعاملوا من كل من فيه خير معاملة المرحوم بإعطاء الخير والحماية من الشر ، ثم استأنف حكاية جوابهم فقال : ( قالوا ( فظاظة وغلظة مشبرين بالإدغام إلى أن ما يقولونه إنما يفهمه الحاذق بمعرفة الزجر وإن كان الظاهر خلافه بما أتاهم به من الناقة التي كان في وجودها من البركة أمر عظيم ؛ ) اطيرنا ) أي تشاءمنا ) بك وبمن معك ) أي وهو الذين آمنوا بك ، فإنه وقع بيننا بسببكم الخلاف ،

الصفحة 431