كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 435
سرعة إبلاغه بقوله : ( إذ ) أي حين ) قال لقومه ) أي الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليه السلام وصاهرهم ، وكانوا يأتون الأحداث ، منكراً نوبخاً : ( أتأتون ( ولما كان لللإبهام ثم التعيين من هز النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال : ( الفاحشة ) أي الفعلة المتناهية في القبح ) وأنتم تبصرون ) أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح ، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال
77 ( ) وتأتون في ناديكم المنكر ( ) 7
[ العنكبوت : 29 ] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة ؛ ثم أتبع هذا الإنكار إنكاراً آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد ، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف ، ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها ، فقال معيناً لما أبهم : ( أئنكم لتأتون ( وقال : ( الرجال ( تنبيهاً على بعدهم عما يأتونه إليهم ، ثم علله بقوله : ( شهوة ( إنزالاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس قصد ولد ولا عفاف ؛ وقال : ( من دون ) أي إتاناً مبتدئاً من غير ، أو أدنى رتبة من رتبة ) النساء ( إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك .
ولما كان قوله : ( شهوة ( ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة الغلبة لكن النساء لا تكفيهم ، لذلك نفى هذا بقوله : ( بل ) أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل ) أنتم قوم ( ولما كان المقصود السورة إظهار العلم والحكمة ، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة ، قال : ( تجهلون ) أي تفعلون ذلك ذلك إظهاراً للتزين بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثاً وتغليباً لأخلاق البهائم ، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة ، وأشار إلى تغاليهم في الجهل الذين ليس لهم نوع سببوا عن ذلك بقوله : ( فما كان جواب قومه ) أي لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة ) إلا أن ( صدقوه في نسبته لهم إلى الجهل وافتخارهم به بما عدولاً إلى المغالبة وتمادياً في الخبث ) أخرجوا آل لوط ( فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم والحكمة وإظهار الخبء ، وقالوا ؛ ) من قريتكم ( مناً عليه بإسكانه عندهم ؛ وعللوا ذلك بقولهم : ( إنهم ( ولعلهم عبروا بقولهم : ( أناس ( مع صحة المعنى بدونه تهكماً عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم ) يتطهرون ) أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها .
فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد ، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله : ( فأنجيناه وأهله ( اي كلهم ، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من عذابنا ) إلا امرأته ( فكأنه قيل : فما كان من أمرها ؟ فقيل : ( قدرناها ) أي جعلناها بعظمتنا وقدرتنا