كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 438
أن المراد كل ما كان هكذا ، فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار ، وعن الفراء أن البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة .
ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيداً أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف : ( ذات بهجة ) أي بهاء وحسن رونق ، وبشر بها وسرور على تقارب اصولها مع اختلاف أنواعها ، وتباين طعومها وأشكالها ، ومقاديرها وألوانها .
ولما أثبت الإنبات له ، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيهاً على تأكد اختصاصه بفعله ، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له فقال : ( ما كان ) أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه ) لكم ( وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات ) أن تنبتوا شجرها ) أي شجر تلك الحدائق .
ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية ، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله : ( أإله ) أي كائن ) مع الله ) أي الملك الأعلى الذي لا مثل له .
ولما كان الجواب عند كل عاقل : لا وعزته قال معرضاً عنهم للإيذان بالغضب : ( بل هم ) أي في جعائهم معه سبحانه شريكاً ) قوم يعدلون ) أي عن الحق الذي لا مرية فبه إلى غيره ، مع العلم بالحق ، فيعدلون بالله غيره .
ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان ، ذكر ما تتفرد به الأرض ، لأنها اقرب إليهم وهم بحقيقتها وما لا بسوه من أحوالها أعلمم منهم بالأمور السماوية ، تعديداً للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية ، فقال مبدلاً من ) أمَّن خلق ( : ( أمَّن ) أي أم فعل ذلك الذي ) جعل الأرض قراراً ) أي مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها ، وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء .
ولما ذكر قرارها ، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال : ( وجعل خلالها ( اي في الأماكن المنفرجة بين جبالها ) أنهاراً ) أي جارية هلى حالة واحدة ، فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب ، لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب .
ولما ذكر الدليل ، ذكر سبب القرار فقال : ( وجعل لها رواسي ) أي كمارسي السفن ، كانت أسباباً في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب .
ولما أثبت القرار وسببه ، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقاً تتصرف فيها ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر ، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به في سير ولا