كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 453
على الاستمرار ، مستهيناً ) بآيتنا ) أي المرئية بعدم الاعتبار بها ، والمسموعة بردها والطعن فيه على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله متسبباً عن العامل في الظرف من نحو : يكونون في ذل عظيم : ( فهم يوزعون ) أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على - آخرهم ، وأطرافهم على أوساطهم ، ليتلاحقوا ، ولا يشذ منهم أحد ، ولا يزالون كذلك ) حتى إذا جاءوا ) أي المكان الذي أراده الله لتبكيتهم ) قال ( لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم بما يعلمه من أحوالهم ، في عادهم وضلالهم ، بل سائلاً لهم إظهاراً للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم ، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع : ( أكذبتم ) أي ايها الجاهلون ) بآياتي ( على ما لها من العظم في أنفسها ، وبإتيانها إليكم على ايدي أشرف عبادي ) و ( الحال أنكم ) لم تحيطوا بها علماً ) أي من غي فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تتحقه ويليق بها بدليل لا مرية فيه ) أمّاذا كنتم ) أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات ) تعلمون ( فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها ؟ أخبروني عن ذلك كله ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم ؟ فإن هذا - وعزتي - مقام العدل والتحرير ، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير ، ولا ظلم فيه على أحد في جليل ولا حقير ، ولا قليل ولا كثير ، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى التصديق أو الاعتراف بالإبطال ، لأنهم إن قالوا : كذبنا ، فإن قالوا مع عدم الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال ، وإن قالوا مع الإحاطة كان أكذب الكذب .
ولما كان التقدير بما ارشد إليه السياق : فأجابوا بما تبين به أنهم ظالمون ، عطف عليه قوله : ( ووقع القول ) أي مضمون الوعيد الذي هو القول حقاً ، مستعلياً ) عليهم بما ظلموا ) أي بسبب ما وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما نشأ عنه من الضلال ، في الأقوال والأفعال ) فهم لا ينطقون ) أي بسبب ما شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به مما أحاط بقواهم ، فهد أركانهم ، وما انكشف لهم من أنه لا ينجيهم شيء .
ولما ذكر الحشر ، استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت ، والختم على مشاعرهم ، وبعثهم من المنام ، وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور ، وبعث النور بعد إفنائه بالظلام ، فقال : ( الم يروا ( مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به ) أنا جعلنا ( اي بعظمتنا التي لا يصل أحد غلى مماثلة شيء منها الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختبار ) الليل ( اي مظلماً ) ليسكنوا فيه ( عن الانتشار ) والنهار مبصراً ( اي بإبصار من يلابسه ، لينتشروا فيه في معايشهم بعد أن كانوا ماتوا