كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 456
اي الذي أحكم هذه الأمور كلها ) خبير بما يفعلون ) أي لأن الإتقان نتيجة القدرة ، وهي نتيجة العلم ، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام القدرة ، وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لانه في سياق البيان لعماهم ، ونفي العلم عنهم ، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي للرضا ، المرهب من الإبعاد ، المقرون بالسخط ، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض الموقع في الخيبة ، وما أبدع ما لاءم ذلك ولا حمه ما بعده على تقدير الجواب لسؤال من كأنه قال : ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير ؟ فقال : من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب ) من جاء بالحسنة ) أي الكاملة وهي الإيمان ) فله ( وهو من جملة إحكامه للأشياء ) خير ) أي أفضل ) منها ( مضاعفاً ، أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله ، وأكرمت وجوهم عن النار ، وهؤلاء أهل القرب الذين سبقت لهم الحسنى ) وهم من فزع يومئذ ) أي إذا وقعت هذه الأحوال ، العظيمة الأهوال ) آمنون ) أي حتىى لا يحزنهم الفزع الأكبر ، فانظر إلأى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه وترتيبه ، وأخذ بعضه بحجزه بعض ، كأنما أفزع إفزاعاً واحداً ، ولأمر ما أعجز القوي ، وأخرس الشقاشق والادعاء ) ومن جاء بالسيئة ) أي التي لا سئة مثلها ، وهي الشرك لقوله : ( فكبت ) أي بأيسر أمر ) وجوههم في النار ( مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا سبيل للنار عليها ، والوجه أشرف ما في الإنسان ، فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان ، والمكبوب عليه منكوس .
ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله ، فوضعوا الشيء في غير موضعه ، فعظموا ما حقه التحقير ، واستهانوا أمر العلي الكبير .
وكان الوجه محل ظهور الحياء والانكسار ، لظهور الحجة ، وكانوا قد حدقوا الأعين جلادة وجفاء عند العناد ، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد ، بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك : وهم من فزع يومئذ خائفون ، وليس لهم إلا مثل سيئتهم : ( هل ) أي مقولاً لهم : هل ) تجزون ) أي بغمس الوجوه في النار ؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء ، لا كونه من معين ، وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر ، لأن من المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره ) إلا ما كنتم ) أي بما هو لكم كالجبلة ) تعلمون ) أي تكررون عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه أ ، ه مماثل لأعمالكم سواء بسواء ، وهو شامل أيضاً لأهل القسم الأول ، والآية من الاحتباك : ذكر الخيرية والأمن أولاً دليلاً على حذف المثل والخوف ثانساً ، والكب في النار ثانياً دليلاً على الإكرام عنه أولاً .