كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 462
انجرّ معه بأنه عليه الصلاة والسلام سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه ، ويذل عاة قريش ومتمرديهم ، ويعز أتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن استضعفته قريش من المؤمنين ، اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون ، واستيلائه عليهم ، وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ، ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى ) سيريكم آياته فتعرفونها ( وفي الثانية بقوله : ( وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( ثم قص ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن عنه من قدر الله شيئاً ، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار ، ودليل على أنه سبحلنه المتفرد بملكه ، يؤتي ملكه من يشاء ، وينزعه ممم يشاء ، لا يزعه وازع ، ولا يمنعه عما يشاء مانع ، ) قل الله مالك الملك ( وقد أصح قوله تعالى ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ( - الآية بما أشار إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص ، ونحن نزيده بياناً بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول : إن قوله تعالى معلماً لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وآمراً ) إنما أمرت أن أعبد ( إلى قوله : ( سيريكم آيته ( لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد ، وشديد الوعيد ، ثم في قوله : ( سورة القصص ( ) مكية - آياتها ثمان وثمانون ( مقصودها التواضع لله ، المستلزم لرد الأمر كله إليه ، الناشىء عن الإيمان بالآخرة ، الناشىء عن الإيمان بنبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، الثابتة بإعجاز القرآن ، المظهر للخفايا على لسان من لم يتعلم علماً قط من أحد من الخلق ، المنتج لعلو المتصف به ، وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص الذي حكم لأجله شعيب بعلو الكليم عليهما السلام على من ناواه ، وقمعه لمن عاداه ، فكان المآل وفق ما قال ) بسم الله ( الذي اختص بالكبرياء والعظمة ، فألبس خدامه من ملابي هيبته ) الرحمن ( الذي عم بنعمة البيان ، حتى أهل الكفران الرحيم الذي خص بنعمة ما بعد البعث أهل الإيمان .
لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف ، وأنه ليس بغافل عن شيء ، تهديداً للظالم ، وتثبيتاً للعالم ، وكان من الأول ما يوحيه في هذه من الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب ، فلا يقدرون على رده ، ومن الثاني ما صنع بفرعون وآله ، قال أول هذه : ( طسم ( مشيراً بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم ، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم ، وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك العلى بذلك كله تام عميم .
ولما كانت هذه إشارات عالية ، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية ، قال مشيراً إلى عظمتها : ( تلك ) أي الآيات العالمية الشأن ) آيات الكتاب ) أي المنزل على قلبك ، الجامع لحميع المصالح الدنيوية والأخروية ) المبين ( اي الفاصل الكاشف الموضح المظهر ، لأنه من عتندنا من غير شك ، ولكل ما يحتاج إليه من ذلك وغيره ، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول ، ويلقي إليه السمع وهو شهيد ؛ ثم اقام الدليل على إبانته .
وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم يختلفون / بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم ، على وجه معلم بما انتقم به نم فرعون وآله ، ومن لحق بهم كقارون ، وأنعم به على موسى عليه السلام وأتباعه ، ولذلك بسط فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال : ( نتلوا ) أي نقص قصاً متتابعاً متوالياً بعضه في أثر بعض ) عليك ( بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام .
ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بياناً للآيات بعلم الجليلات والخفيات ، والمحاسبة والمجازاة ، لا جميع الأخبار ، قال : ( من نبأ موسى وفرعون ) أي بعض خبرهما العظيم متلبساً هذا النبأ وكائناً ) بالحق ( اي الذي يطابقه الواقع ، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه ، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله : ( لقوم يؤمنون ) أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم ، فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الأمي بالاطلاع علىالمغيبات ، والتهديد بعلمه المحيط ، وقدرته الشاملة ، وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه ، ولا ينفع حذر من قدرة ، فصح أنها دليل على قوله تعالى آخر تلك ) سيريكم آياته فتعرفونها ( الآية ، ولذلك لخصت رؤوس أخبار القصة ، والسلام وأمة وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي ، ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكرُ صلى الل عليه وسلم ، فانحصر الأمر في الثاني ، يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى في آخر القصة ) وما كنت بجانب الغربي ( ) وما كنت بجانب الطور ( واتباع القصة بقوله تعالى : ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ( فالمراد بهذا السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى ، فلا تكرير في شيء من ذلك - والله الهادي .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمن قوله سبحانه ) إنما أمرت أن أعبد رب هذه الذي حرمها ( - إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذر والتهديد لما انجرّ معه بأنه عليه الصلاة والسلام سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه ، ويذل عاة قريش ومتمرديهم ، ويعز أتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن استضعفته قريش من المؤمنين ، اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون ، واستيلائه عليهم ، وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ، ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى ) سيريكم آياته فتعرفونها ( وفي الثانية بقوله : ( وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( ثم قص ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن عنه من قدر الله شيئاً ، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار ، ودليل على أنه سبحلنه المتفرد بملكه ، يؤتي ملكه من يشاء ، وينزعه ممم يشاء ، لا يزعه وازع ، ولا يمنعه عما يشاء مانع ، ) قل الله مالك الملك ( وقد أصح قوله تعالى ) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ( - الآية بما أشار إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص ، ونحن نزيده بياناً بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول : إن قوله تعالى معلماً لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وآمراً ) إنما أمرت أن أعبد ( إلى قوله : ( سيريكم آيته ( لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد ، وشديد الوعيد ، ثم في قوله : ( رب هذه البلدة ( إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيفتحها ويملكها ، لأنه بلد ربه وملكه ، وهو عبده ورسوله ، وقد اختصه برسالته ، وله كل شيء فالعباد والبلاد ملكه ، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآ ، لرادّك إلى معاد ( وقوله تعالى : ( وأن أتلو القرآن ) أي ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة ، ويخلظ سنة الله في العباد والبلاد ، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى و كذب واستكبر ، فكيف وقصة الله وأخذه ولم يغن عنه حذره ، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره ، ومكن لهم في الأرض وأعز رسله وأباعهم ) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ) أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون ، وقوله : ( سيريكم آيته ( يشير إلى ما حل بهم يوم بدر ، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة ، وإذعان نم لم يكن يظن انقياده ، وإهلاك من طال تمرده وعناده ، وانقياد العرب بجملتها بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين افواجاً ، وعزة أقوام وذلة آخرين ، بحاكم ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما وعدهم به نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) ، فكان كما وعد ، فلما تضمنت هذه الآية ما أشير إليه ، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل : ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله ، ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح

الصفحة 462