كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 475
وإزالة للبس : ( ياموسى ( أكد إشارة إلى أن الأمر قد دهم فلا يسع الوقت الاستفصال فقال : ( إن الملأ ) أي أشراف القبط في أيديهم الحل والعقد ، لأن لهم القدرة على الأمر والنهي ) يأتمرون بك ) أي يتشاورن بسببك ، حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى أن كلاًّ منهم يأمر الآخر ويأنمر بأمره ، فكأنه قيل : لم يفعلون ذلك ؟ فقيل : ( ليقتلوك ( لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم ) فاخرج ) أي من هذه المدينة ؛ ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرق من احتمال عدم القتل لكونه عزيزاً عند الملك : ( إني لك ) أي خاصة ) من الناصحين ) أي العريقين في نصحك ) فخرج ( اي موسى عليه الصلاة والسلام مبادراً ) منها ) أي المدية لما علم من صدق قوله مما حفّه من القرائن ، حال كونه ) خائفاً ( على نفسه من آل فرعون ) يترقب ( اي يكثر الالتفات بإدراة رقبته في الجهات ينظر هلى يتبعه أحد ؛ ثم وصل به على طريق الاستئناف قوله : ( قال ) أي موسى عليه الصلاة والسلام : ( رب ) أي ايها المحسن إليّ بالإيجاد والتربية وغير ذلك من وجوه البر ) نجني ) أي خلصني ، مشتق من النجوة ، وهو المكان العالي الذي لا يصل إليه كل أحد ) من القوم الظالمين ( اي الذين يضعون الأمور في غير مواضعاها فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم ، فاستجاب الله له فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو مدين ، فكان ذلك سبب نجاته ، وذلك أن الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر ، جرياً على عادة الخائفين الهاربين في المشي عسافاً ، أو سلوك ثنيات الطريق فانثنوا فيما ظنوه يميناً وشمالاً ففاتهم .
ولما دعا بهذا الدعء ، أعلم الله تعالى باستجابته منه مخبراً بجهة قصده زيادة في الإفادة فقال : ( ولما ) أي فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين ولما ) توجه ( اي اقبل بوجهه قاصداً ) تلقاء ) أي الطريق الذي يلاقي سالكه ارض ) مدين ( مدينة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسللام متوجهاً بقلبه إلى ربه ) قال ) أي لكونه لا يعرف الطريق : ( عسى ( اي خليق وجدير وحقيق .
ولما كانت عنايته بالله أتم لما له من عظيم المراقبة ، قال مقدماً له : ( ربي ) أي المحسن إليّ بعظيم التربية في الأمور المهلكة ) أن يهديني سواء ) أي عدل ووسط ) السبيل ( وهو الطريق الذي يطلعه عليها من غير اعوجاج .
ولما كان التقدير : فوصل إلى المدينة ، بنى عليه قوله : ( ولما ورد ( اي حضر موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب ) ماء مدين ( اي الذي يستقي منها الرعاء ) وجد عليه ) أي الماء ) أمة ) أي جماعة كثيرة هم أهل لأن يَقْصُدوا ويُقصًدوا ، فلذلك هم عالون غالبون على الماء ؛ ثم بين نوعهم بقوله : ( من الناس ( وبين عملهم

الصفحة 475