كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 476
أيضاً بقوله : ( يسقون ) أي مواشيهم ، وحذف المفعول لأنه غير مراد ، والمراد الفعل ، وكذا ما بعده فإن رحمته عليه الصلاة والسلام لم تكن لكون المذود والمسقي غنماً بل مطلق الذياد وترك السقي ) ووجد من دونهم ) أي وجداناً مبتدئاً من أدنى مكان من مكانهم الآتي إلى الماء ) امرأتين ( عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنها ) تذودان ( اي توجدان الذود ، وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف الضررين ، فتكفان أغنامهما إذا نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم الناس .
ولما كان هذا حالاً موجباً للسؤال عنه ، كان كأنه قيل : فما قال لهما ؟ قيل : ( قال ( اي موسى عليه الصلاة والسلام رحةم لهما : ( ما خطبكما ) أي خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما ، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع فيه التخاطب لعظمه ، في ذيادكما لأغنامكما عن السقي ؛ قال أبو حيان : والسؤال بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد .
ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة ) قالتا ) أي اعتذاراً عن حالهما ذلك ؛ وتلويحاً باحتياجهما إلى المساعدة : ( لا ) أي خبرنا أنا لا ) نسقي ) أي مواشينا ، وحذفه للعلم به ) حتى يصدر ( اي نصرف ويرجع ) الرعاء ) أي عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء وضم الدال ثلاثياً ، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسرك يوجدوا الدر والصرف .
ولما كان التقدير : لأنا من النساء ، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما أباً ، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك ، عطفتا على هذا المقدر قولهما : ( وأبونا شيخ كبير ) أي لا يستطيع لكبره أن يسقي ، فاضطررنا إلى ما ترىن وهذا اعتذار أيضاً عن كون ابيهم أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور ، فلا يأباه الدين ، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة ، وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر ، لا سيما إذذا دعت إلى ذلك ضرورة ) فسقى ) أي موسى عليه الصلاة والسلام ) لهما ( لما علم ضرورتهما ، انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مسااعدة الضعيف ، مع ما به من النصب والجوع ) ثم تولى ) أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلاً طهره يلي وجهه ) إلى الظل ) أي ليقيل تحته ويستريح ، مقبلاً على الخالق بعد ما قضى من نصيحته الخلائق ، وعرفه لوقوع العم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه ) فقال ( لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص ) رب ( .

الصفحة 476