كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 483
الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع تلك الليلة كلام الله ، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة ، وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة ، بلا كم ولا كيف ، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة ، والشجرة قال الغوي : قال ابن مسعود رضي الله عنه : كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة ، وقال وهب : من العليق ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها العناب .
ثم ذكر المنادي بقوله : ( أن يا موسى ( وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال : ( إني أنا الله ) أي المستجمع للاسماء الحسنى ، والصفات العلى .
ولما كان هذا الاسم غيباً ، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان فقال : ( رب العالمين ( اي خالق الخلائق أجمعين مربيهم ) وأن ألق عصاك ) أي لأريك فيها آية .
ولماكان التقدير : فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة ، وهي مع عظمها في غاية الخفة ، بنى عليه قوله : ( فلما رآها ) أي العصا ) تهتز كأنها ) أي فس سرعتها وخفتها ) جان ( اي حية صغيرة ) ولّى مدبراً ( خوفاً منها ولم يلتفت إلى جهتها ، وهو معنى قوله : ( ولم يعقب ( اي موسى عليه الصلاة والسلام ، وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفاً من الإدراك في الطلب فقيل له : ( يا موسى أقبل ) أي التفت وتقدم إليها ) ولا تخف ( ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله : ( إنك من الآمنيين ) أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين ؛ ثم زاد طمأنينته بقوله : ( اسلك ) أي ادخلى علىالستقامة مع الخفة والرشاقة ) يديك في جيبك ) أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس ، أو هو الكم ، كما يدخل السلك وهوالخيط الذي ينظم فيه الدرر ، تنسلك على لونها وما هي عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته ، وأخرجها ) تخرج بيضاء ( اي بياضاً عظيماً يكون له شأن خارق للعادات ) من غير سوء ( اي عيب من حريق أو غيره ، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس ، فالآية من الاحتباك .
ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال : ( واضمم إليك ) أي إلى جسدك .
ولما كان السياق للتأمين من الخوف ، عبر بالجناح ، لأن الطائر يكون آمناً عند ضم جناحه فقال : ( جناحك ) أي يديكالتي صارت بيضاء ، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك ) من