كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 501
ولما ذكر أن السماح بما تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان ، أتبعه أن حزن ماتبذله اللسن من فضول الأقوال من علامات العرفان ، فقال : ( وإذا سمعوا اللغو ) أي ما لا ينفع في دين ولا دنيا منشتم وتكذيب وتعبير ونحوه ) أعرضوا عنه ( تكرماً عن الخنا ) وقالوا ) أي واعظاً وتسميعاً لقائله : ( لنا ) أي خاصة ) أعمالنا ( لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون ) ولكم ) أي خاصة ) أعمالكم ( لا نطالب بشيء منها ، فنحن لا نشتغل بالرد عليكم لأن ذمكم لنا لا ينقصنا شيئاً من أجرنا ولا الاشتغال برده ينقصنا .
ولما كان معنى هذا أنم سالمون منهم ، صرحوا لهم به فقالوا : ( سلام عليكم ) أي منا .
ولما جرت العادة با ، مثل هذا لا يكسر اللاغي ، ويرد الباغي ، أشاروا لهم إلى قبح حالهم ، رداً على ضلالهمن بقولهم تعليلاً لما مضى من مقالهم : ( لا نبتغي ) أي لا نلكف ئأنفسنا أن نطلب ) الجاهلين ( اي نريد شيئاً من أحوالهم وأقوالهم ، أو غير ذلك من خلالهم .
ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلة الله عليه وسلم لما جبلت عليه من الخير والمحبة لنفع جميع العباد ، لا سيما العرب ، لقربهم منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، لاسيبما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه ، وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك ، وأنه لو أراد هدايتهم وأحبها ، وعلق همته العلية بها لاهتدوان أجيب عن هذا بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهاراً لصفة القدرة والكبرياء والعظمة : ( إنك لا تهدي من أحببت ) أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه ، وإنما في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان .
ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من أشباهه أن شيئاً من أفعالهم يخرج عن القدرة ، قال نافياً لهذا الظن مشيراً إلى الغلط في اعتقاده بقوله : ( ولكن الله ( المتردي برداء الجلال والكبرياء والكمال وله الأمر كله ) يهدي من يشاء ( هدايته بالتوفيق إلى ما يرضيه ) وهو ) أي وحده ) أعلم بالمهتدين ) أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم ، فيكونوا عريقين في هسواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب ، أقارب كانوا أو أباعد ، روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : ( قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره ، فقال : ( أي عم قل : لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ( ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما