كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 504
من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به ، فبينما قدرهم على النار تغالي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعاً ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات الت كانوا تحتها .
وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أنرجلاً من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم له فخوفه بالدعاء في الحرم ، فقال : هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء ، فجاء الحرم في الشهر الحرام ، فقال : اللهم إني ادعوك جاهداً مضطراً على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دوايء له ، ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق ، فما زال ينتفخ حتى انشق ، وأن عمر رضي الله عنه سال رجلاً من بني سليم عن ذهاب بصره ، فقال : يا أمير المؤمنين كنا بني ضبعاء عشرة ، وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا بالله ، وبالرحم ، فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه يقول :
لا همّ أدعوك دعاء جاهداً اقتل بني الضبعاء إلا واحدا ثم اضرب الرجل ودعه قاعداً أعمى إذا قيد يعي القائدا
قال : فمات إخوتي التسعة في تسعة اشهر في كل شهر واحد ، وبيقت أنا فعميت ، ورماني الله عز وجل في رجلي ، فليس يلائمني قائد ، فقال عمر رضي الله عنه : سبحان الله إن هذا لهو العجب ، جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ، لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة ، فلما جاء الدين ، صار الموعد الساعة ، ويستجيب الله لمن يشاء ، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين انتهى .
وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من حولهم كما يأتي تكيده في التي بعدها ، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض لا مزية له على غيره بنوع مزية ، فالتقدير : إنما فعلنا ذلك بعد سكنى إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام ، أو ليس الذي قدر على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه ، وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات ، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى الدرجات ، كما فعل في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء الدين .
ولما وصفه بالأمن ، أتبعه ما تطلبه النفس لعده فقال : ( يجبى ) أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه ) إليه ) أي خاصة ، دون غيره من جزيرة العرب ) ثمرات كل شيء ( من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق ، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض