كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 518
كذا ، وفيه التعرض للسبب فقال : ( إذ قال له ( وقال : ( قومه ( إشارة إلى تناهي بغية بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب كلامهم ولا يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة ، وساغت نسبة القول للكل وإن كان القائل البعض ، بدليل ما يأتي ، إما عداً للساكت قائلاً لرضاه به لأنه مما لا ياباه أحد ، وإما لأن أهل الخير هم الناس ، ومن عداهم عدم : ( لا تفرح ) أي لا تسر سروراً يحفر في قلبك فيتغلغل فيه فيحرقك إلى الأشر والمرح ، فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه ، وذلك يدل على نسيان الآخرة ، وذلك على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل للعواقب ، فيجر إلى المرح فيجر إلى الهلاك ، قال الرزاي : ومن فرح بغير مفروح به استجلب حزناً لا انقضاء له ، وعللوا نهيهم له بما يفهم أشد الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين لاستبعاد من يرى تواصل النعم السارة على أحد أن يكون غير محبوب : ( إن الله ) أي الذي له صفات الكمال فلا شيء أجل منه ، فبه ينبغي أن يفرح ) لا يحب ) أي لا يعامل معاملة المحبوب ) الفرحين ) أي الراسخين في الفرح بما يفنى ، فإن فرحهم يدل على سفول الهمم .
ولما كان ترك الفرح سبباً للزهد ، وهو سبب القرب إلى الله ، كان كأن قيل : وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين ) وابتغ ) أي اطلب طلباً تجهد نفسك فيه ) فيما آتاك الله ) أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله من هذه الأموال حال تمكنك ) الدار الآخرة ( بإنفاقه فيما يحبه الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك مظروفاً له فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون حياً بذلك الابتغاء ، فلا يكون منه شيء بغير حياة ، فإن فعلك لذلك يذكرك أن هذه الدار دار قلعة وارتحال ، وكل ما فيها إلى زوال ، وذلك يوجب الزهد في جميع ما فيها من الأموال .
ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما فيه من شائبة الاتهام قالوا : ( ولا تنس ) أي تترك ترك الناسي ) نصيبك من الدنيا ( ترك المنسي ، بل استعمل المباحات من المآكل والملابس والمناكح والمساكن وما يلائمها ، وليكن استعمالك لذلك كما دل عليه السياق من غير إسراف ولا مخيلة توجب ترك الاتصاف بالإنصاف ؛ وعن علي رضي الله عنه : ولا تنس صحتك وقوتك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة .
ولما أطلق له الاقتصاد في التمتع بالزاد ، وكانت النفس مجبولة على الشره ، فإذا أذن لها من الدنيا في نقير جعلته أكبر كبير ، أتبعوا ذلك ما لعله يكف من شرهها فقالوا : ( وأحسن ) أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج ، والإنفاق في جميع الطاعات ) كما أحسن الله ) أي الجامع لصفات الكمال ، المتردي برداء العظمة والجلال ) إليك ( بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع عليك .

الصفحة 518