كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 523
أعجب ، ومعناه التنبيه ؛ ثم ابتدأ كأن ) الله ( اي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ) يبسط الرزق ) أي الكامل ) لمن يشاء ( سواء كان عنده ما يحتال به علىالرزق أم لا .
ولما كانت القصة لقارون ، وكان له ن المكنة في الدنيا ما مضى ذكره ، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه ، قال منبهاً بافيقاع به على الوجهالماضي أنه من جملة عبيده ، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته : ( من عباده ( .
ولما دل على أن البسط إنما هو منه ، أتبعه قول دليلاً آخر على ربوبيته : ( ويقدر ) أي يضيق على من يشاء سواء كان فظناً أم لا ، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه ، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده ، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة ، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده ، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال .
ولما لاح من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله ، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم : ( لولا أن منَّ الله ) أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال ) علينا ( بجوده ، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله ) لخسف بنا ( مثل ما خسف به ) ويكأنه ) أي عجباً أو ندماً لأنه ، أو يشبه أنه ، أو ألم تر أنه ، قال الرضي في شرح الحاجبية : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم : عجباً منك ، فسئل : لن تتعجب منه ؟ فقال : لأنه إلى آخره ، فحذف حرف الجر مع ( أن ) كما هو القياس .
) لا يفلح ( اي يظفر بمراد ) الكافرون ) أي العريقون في الكفر لنعمة الله ، وقد عرف بهذا التنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه ، سواء وقف على وي أو يك أو لا .
ذكر شرح هذه القصة
: قال البغوي : قال أهل العلم بالأخبار : كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى ، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطاً أربعة ، في كل طرف منها خيطاً أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي ، فقال موسى : يا رب ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضراً ، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط ، فقال له ربهك يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير ، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير ، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر