كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 530
البلد الذي ذكر في هذه السورة توطئة لهذه الآية أنه خرج منه خائفاً يتوقب وهي مصر إلى مدين في أطراف بلاد العرب ، على وجه أهلك أعداءه ، أما من كان نم غير قومه وغيرهم ، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفاً تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك لكونك نبي الرحمة ، وكون خروجك لم يكن مسبباً عن قتل أحد منهم لا يكون فيه هلاكهم ، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم ، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر كما مضى في الحجر ، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل ، فإنه روى أن هذه الآية نزلت على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الجحفة وهي في طريق الهجرة .
ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثَم من يبالغ في النفي وافنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول : إن الأمر ليس كذلك ، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف ، قال مهدداً على طريق الاستئناف على لسانه ( صلى الله عليه وسلم ) لكون الإنكار تكذيباً له كما كذب موسى ( صلى الله عليه وسلم ) حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم : ( قل ) أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به : ( ربي ) أي المحسن إليّ ) أعلم ) أي من كل أحد .
ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق ، وكانوا يقولون : من ادعى رجوعه فهو ضال ، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال ، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أؤلئك الضراغمة الأبطال ، والسادة الأقيال ، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام : ( من جاء بالهدى ) أي الذي لا أبين منه ، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم ؟ ) ومن هو في ضلال ) أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أن أنا ) مبين ) أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره .
ولما كان الجواب لكل من أنصف : هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل عليه ، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله ، بني عليه قوله : ( ما ( ويجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير في ) عليك ( وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد ، اي فرضه عليك والحال أنك ما ، ويجوز أن يقال : لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار ، قربه بقوله معلماً أم كثيراً من الأمور تكون على غير رجاء ، بل وعلى خلاف القياس : وما ) كنت ترجوا ) أي في سلاف الدهر بحال من الأحوال ) أن يلقى ( اي ينزل على وجه لم يقدر