كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 531
على رده ) إليك الكتاب ) أي بهذا الإعتقاد ولا بشيء منه ؛ ولا كان هذا من شأنك ، ولا سمعه أحد منك يوماً من الأيام ، ولا تأهبت لذلك أهيته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام ، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها
77 ( ) وما كنت تتلوا من قبله الكتاب ( ) 7
[ العنكبوت : 48 ] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم ، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال : ( إلا ) أي لكن ألقي إليك الكتاب ) رحمة ) أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلاءق بك ، لم تكن ترجوها ) من ربك ) أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك ، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه ، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وهن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعاً ، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة نعه والتعبد له توفيقاً من الله كان حال من يرجو ذلك .
ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعاً فيما عنده سبحانه من الثواب ، وشكراً على إنزال الكتاب ، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري قتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم ، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم : ( فلا تكونن ( إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم ) ظهيراً ) أي معيناً ) للكافرين ( بالمكث بين ظهرانيهم ، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم ، يأساً منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك ، لا تمل أنت كما لم نمل نحن ، فقد وصلنا لهم القول ، وتابعنا لهم الوعظ والقص ، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة ، وهدايتهم في أقل من لمحة ، وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيراً للمجرمين ، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة فب الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف ، وقلة الناصر المحالف .
ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضاً عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهداً في العمل ، قال مؤكداً تنبيهاً على شدة الأمر لكثرة العداء وتتابع الإيذاء والاعتداء : ( ولا يصدنك ) أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم ) لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ( ونحوه ) عن آيات الله ) أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال ، في الأوقات الكائنة ) بعد إذ أنزلت ) أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهياً ) إليك ( مما ترى من أوامرها ونواهيها ، ولقد بين هذا المعنى قوله : ( وادع ) أي أوجد الدعاء للناس ) إلى ربك ) أي المحسن إليك لإحسانه إليك ، وإقباله دون الخلق عليك ، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جداً ، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطباً من درء المفاسد ، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب .