كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 538
يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه : ( ومن جاهد ( اي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة ) فإنما يجاهد لنفسه ( لأن نفع ذلك له فيتبعها ليريحها ، ويشقيها ليسعدها ، ويميتها ليحييها ، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء ، وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة ، ثم علل هذا الحصر بقوله : ( إن الله ( اي المتعالي عن كل شائبة نقص ) لغني ( وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة ، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم ، وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع ( عنه ) ) عن العالمين ( فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية .
ولما كان التقدير : فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ، لكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء ، عطف عليه قوله : ( والذين آمنوا وعملوا ( تصديقاً لإيمانهم ) الصالحات ( في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم ، واشار بقوله : ( لنكفرن عنهم سيئاتهم ( إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص ، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر ، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي المختار ( صلى الله عليه وسلم ) .
وزاده فضلاً وشرفاً لديه ؛ قال البغوي : والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة ، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه ، وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه .
ولما بشرهم بالعفو عن العقاب ، أتم البشرى بالامتنان بالثواب ، فقال عاطفاً على ما تقديره : وانثبتن لهم حسناتهم ) ولنجزينهم ) أي في الإسلام ) أحسن الذي كانوا ( اي كوناً يجملهم على أتم الرغبة ) يعملون ) أي أحسن الجزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه .
ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة ، وحذر من كفر ، وبشر من صبر ، قال عاطفاً على ) ولقد فتنا ( مشيراً إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق تعظيمالخالق ، وإلى أنها أعظم فتنةك ) ووصينا ( على ما لنا من العظمة ) الإنسان ) أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من أحسن إليه ، فكيف بأعز الخلق عليه ، وذلك فتنة له ) بوالديه ( .
ولما كان التقدير : فقلنا له : افعل بهما ) حسناً ( اي فعلاً ذا حسن من برهما وعطف عليهما ، عطف عليه قوله : ( وإن جاهداك ) أي فعلاً معك فعل المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك ) لتشرك ( وترك مظهر العظمة للنص على المقصود فقال : ( بي ( ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة غلى خطر المقام

الصفحة 538