كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 540
لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) 73
( ) 71
ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح : فمن الناس كما اشير إليه من يؤمن بالله ، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب انتظاراً للجزاء من العلي الأعلى ، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر في الأخرى ، عطف عليه : ( ومن الناس ) أي المذبذبين ) من يقول ) أي بلسانه دون طمأنينة من قلبه : ( آمنا بالله ) أي الذي اختص بصفات الكمال ، وأشار بعد الإيماء إلى كثره هذا الصنف بالإسناد غلى ضمير الجمع إلى أن الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منهن بقوله بأداة التحقيق : ( فإذا أوذي ( اي فتنة له واختباراً من أيَّ مؤذ كان ) في الله ) أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا يداينه في عظمته وجميع صفاته شيء ، ببلاء يسلط به عباده عليه ) جعل ( اي ذلك الذي ادعى الإيمان ) فتنة الناس ) أي بما له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه ) كعذاب الله ) أي المحيط بكل شيء ، فلا يرجى الانفكاك منه ، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل ، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه ، فلا يطاق عذابه ، لأنه على كل من الروح والجسد ، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع مايأمرون به ظاهراً وباطناً ، فيتبين حينئذ أنه كلن كاذباً في دعوى الإيمان ، وقصر الرجاء على الملك الديان ، وأشار غلى أن الفتنة ربما استمرا إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك ، وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله : ( ولئن جاء نصر ) أي لحزب الله الثابتي الإيمان .
ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان ، فلا يجب عليه لأحد شيء ، عبر بما يدل على ذلك مشيراً إلى أنه يفعله لأجله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( من ربك ( اي المحسن إليك بنصر أهل دينك ، تصديقاً لوعدك لهم ، وإدخالاً للسرور عليك ، ولما كانت هذه الحالة رخاء ، عبر بضمي الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر :
وما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
فقال : ( ليقولن ) أي هؤلاء الذين لم يصبروا ، خداعاً للمؤمنين خوفاً ورجاءً وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوم أن الجمع قيد ، وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد ، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا : ( إنا كنا معكم ( اي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أؤلئك بآلسنتنا .

الصفحة 540