كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 543
المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب ) نوحاً ) أي أول رسل الله الخافقين من العباد ، وهو معنى ) إلى قومه ( فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض ، وكان ( صلى الله عليه وسلم ) أطول الأنبياء بلاء بهم ، ولذلك قال مسبباً عن ذلك ومعقباً : ( فلبث فيهم ) أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله ، وعظم الأمر بقوله : ( ألف ( فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه ، وعبر بلفظ ) سنة ( ذماً لأيام الكفر ، وقال : ( إلا خمسين ( فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة ، وقال : ( عاماً ( إشارة إلىأن زممان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً يإيمان المؤمنين وخصب الأرض .
ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل علىالامتثال وعدم الملال ، قال مسبباً عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقباً له : ( فأخذهم ) أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة ) الطوفان ) أي من الماء ، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طامّ محيط غالب ممتلىءكثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها ، والمراد هنا الماء ) وهم ظالمون ) أي عريقون في هذا الوصف ، وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام ، بتكذيبهم رسولهم ، وإصرارهم على كفرهم ، وهو ملازم لدعائهم ليلاً ونهاراً لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس لقتلهم لا يعدون ؛ ودل عليهم مسبباً عن ذلك بقوله : ( فأنجيناه ( اي نوحاً عليه السلام بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء ) وأصحاب السفينة ( من أولاده وأتباعه ، من الغرق ، وماذا يبلغ مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة ) وجعلناها ) أي الفعلة أو السفينة أي نسها وجنسها ، بتلك العظمة ) آية ( إي علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي ) للعالمين ( فإن لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا اشهر في تطبيق الماء جميع الرض ، بطولها والعرض ، وإغراق جميع من عليها من حيوان : إنسان وغير إنسان ، وإنجاء ناس فيهم بما هيأ قبلالفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب الأزمان ، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم واضح ، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزيئات المشاهدة أن ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة ، فالهداية غلى فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة ، وأن من اهتدىإليه دون أهل ذلك العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره ، ونصف الآية الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلاً على آيتي الفتنة أول السورة ، ونصفها الثاني تحذير وتوقية ، وفيه دليل على الآية الثالثة ، والآية الثالثة ، والآية الأخرى تبشير وترجية ، وفيه دليل على ما بعد .

الصفحة 543