كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 546
ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية ، والغاية الشماء السنية ، بكثرتها ، أشار لهم إلى قصورها أيضاً بتصويرها فقال بصيغة المضارع إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها : ( وتخلقون ( اي تصورون بأيديكم ) إفكاً ) أي شيئاً مصروفاً عن وجهه ، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع ، ومربوب وأنتم تعدونه رباً ، وعبد وأنتم تقيمونه معبوداً ، أو تقولون في حقها إنها آلاهة كذباً .
ولما كان الإنسان محتاجاً أبداً ، فكان لا يزال متوجهاً إلى من ينفعهن وكان قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها ، صرح بعجزها ، وأثبت اختصاصه بالخير ، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده رداً لما كانوا يتوهمونه ن نفعها وضرها فقال : ( إن الذين تعبدون ( ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح ) من دون الله ( المحيط بصفات الكمال ، المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء ، وحضرته العلياء ) لا يملكون لكم ) أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم ) رزقاً ) أي شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه ، فتسبب عن ذلك قوله : ( فابتغوا ( وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي فيه ، لأنه أجرى عادته سبحلنه أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من المرزوق وجهد ، إما في العبادة والتوكل ، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه الدنيوية ( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .
ولما اشار إلى ذلك ، اشار إل الإجمال في الطلب ، وأن لا يعتقد أنهلا محالة في السبب ، وإنما الأمر مع ذلك بيده ، إن شاء أنجح وإن شاء خيب ، بقوله : ( عند الله ) أي الذي له كل صفة كمال ) الرزق ( اي كله ، فغنه لا شيء منه إلا وهو بيده ، وقد دخل فيه كل موجود ، فإن الكل خلق لذلك ، فأحكمت صنعته وربط بعضه ببعض ، فلو نقص منه شيء لاختل النظام ، فتبطل الأحكام ) واعبدوه ( اي عبادة يبلهان وهي ما كان خالصاً عن الشرك ، فإن من يكون كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له ، ويعاقب الزاهد فيه ، فلا يشغلكم ابتغاء الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته ، فإنها هي الأسباب الحقيقية ، فربما حرم العبد الرزق بالذنب يصيبه ) واشكروا ( اي اوقعوا الشكر ) له ( خاصة على ما أفاض عليكم من النعم ؛ ثم علل ذلك بقوله : ( إليه ) أي وحده ) ترجعون ( اي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه ، وحساً بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في الدارين .