كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 548
في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام ، وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل ما شاكلهان فحصل الاستعاد للتصريح بأمر المعاد ، فصرح به ، كان ذلك فخراً عظيماً ، ومفصلاً بيناً جسيماً ، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب ، فانتهزت فرصته واقتحمت لجته ، كما هي عادة البلغاء ، ودأب الفصحاء الحكماء ، لأن ذلك كله إنما سيق تسلية للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ووعظاً لقومه فقيل : ( قل ) أي يا محمد لهؤلاء الذين تقيدو بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته أصلاً : قد ثبت أن هذا كلام الل لما ثبت من عجزكم عن معارضته ، فثبت أن هذا الدليل كلام ابيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنتم مصرحون بتقليد الآباء غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة و السلام ، فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة اصلاً فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم ، ولما أقام على ذلك من الأدلة التي لا مراء فيها قال : أو ) سيروا ( إن لم تقتدوا بأبيكم غبراهيم عليه السلام ، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع ) في الأرض ( إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم .
ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة غلى تفريغ الفكر وتوجيه كل الذهن إلى الاستدلال عليهان عبر بالفاء المعقبة فقال : ( فانظروا ) أي نظر اعتبار ) كيف بدأ ( اي ربكم الذي خلقكم ورزقكم ) الخلق ( من الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار ، وغيرها مما تضمنه الجبال والسهول والأوعار ، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان ، فتقريرهم على الإعادة فيه حسن .
ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة ، لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصلن وكانوا بها مكذبين ، بين الاهتمام بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة ، وأضمره في سياق البداءة لإقرارهم له بها ، إشارة غلى أنه باطن في هذه الدار ، ظاهر بجميع الصفات في تلك ، فقال : ( ثم الله ) أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا يفوته شيء ، المتردي بالجلال ، فاخشوا سطوته ، واتقوا عقوبته ونقمته ) ينشىء النشأة الآخرة ( بعد النشأة الأولى .
ثم علل ذلك بقوله مؤكداً تنزيلاً لهم منزلة المنكر لإنكاره البعث : ( إن الله ( فكرر ذكره تنبيهاً بعد التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا المطلق غير مقيد بجهة من الجهات ، ولا مشروط بأمر من الأمور ) على كل شيء قدير ( لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة .