كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 558
ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة ، عبر بالفاء فقال : ( فقال ) أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال : ( يا قوم اعبدوا الله ) أي الملك الأعلى وحده ، ولا تشركوا به شيئاًن فإن العبادة التي فيها شرك عدم ، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً .
ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال : ( وارجوا اليوم الآخر ) أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك ) ولا تعثوا في الأرض ( حال كونكم ) مفسدين ) أي متعمدين الفساد .
ولماتسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم ، تحقيقاً لأن أهل السيئات لا يسبقون قالك ) فكذبوه فأخذتهم ) أي لذلك أخذ قهر وغلبة ) الرجفة ) أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم ) فأصبحوا في دراهم ) أي محالهم التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها ) جاثمين ) أي واقعين على صدورهم ، لازمين مكاناً واحداً ، لا يقدرون على حركة أصلاً ، لأنه لا أرواح لهم .
ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشر على نسق ، والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق ، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان ، ومتانة الأركان - في غاية الغرابة ، وكان معنى ختام قصة مدين : فأهلكناهم ، عطف عليه على ذلك المعنى قوله : ( وعاداً ) أي وأهلكنا ايضاً عاداً ) وثموداً ( مع ما كانوا فيه من العتو ، والتكبر والعلو ) وقد تبين لكم ) أي ظهر بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم ) من مساكنهم ) أي ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام ، وسعة الأحلام ، وعلو الاهتمام ، وثقوب الأذهان ، وعظيم الشأن ، عند مروركم بتلك المساكن ، ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام ، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا ، فأملوا بعيداً ، وبنوا شديداً ، ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله ) وزين لهم ( في غاية التزيين ) الشيطان ( اي بعيد من الرحمة ، المحترق باللعنة ، بقوة احتياله ، ومحبوب ضلاله ومحاله ) أعمالهم ) أي الفاسدة ، فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين ، وأعرضوا عن الهداة الناصحين .
ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال : ( فصدهم عن السبيل ) أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا لا طريق إلا هو ، لكونه يوصل إلى النجاة ، وغيره يوصل إلى الهلاك ، فهو عدم بل العدم خير منه .
ولما كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال : ( وكانوا ) أي فعل بهم الشيطان ما فعل من الإغواء والحال أنهم

الصفحة 558