كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 562
أو صنماً أو ملكاً أو جنياً أو غيره ، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئاً مما يتوصلون إليه ، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون منه ، وإليه الإشارة بقوله : ( وهو العزيز ( اي عن أن يعلمه يعلمه شركاؤهم أويحيط به أحداً علماً ، أو يمتنع عليه شيء يريده ؛ وجوزوا ان تكون ما نفية ، أي شيء يعتد به .
ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلاً قال : ( الحكيم ) أي البالغ العلم ، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه ، فابطن نفسه بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه ، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في الحقيقة غيرهن وهو يغلب من شاء بعزته ، ويمهله إن شاء بحكمته ، فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله .
ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه ، كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل : هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعليّ شأنها : ( وتلك الأمثال ( اي العالية عن أن تنال بنوع احتيال ؛ ثم استأنف قوله : ( نضربها ( بما لنا من العظمة ، بياناً ) للناس ( تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات ، لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها ، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للإفهام إلى المعاني النحتجبة في الأستار ، تبرزها وتكشف عنها وتصورها .
ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكوراً به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملاً لهم : ( وما يعقلها ) أي حق عقلها فينتفع بها ) إلا العالمون ) أي الذين هيئوا للعلم وجعل لهم طبعاً بما بث في قلوبهم من أنواره ، وأشرق في صدورهم من أسراره ، فهم يضعون الأشياء مواضعها ؛ روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله لعيه وسلم قال : ( العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتن سخطه ) قال البغوي : والمثل كلام شائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول .
ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه ، ولا ناصر لمن أخذ ، وصحح ذلك بالمشاهدة في القرون البائدة ، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستوي على غاية البيان ، وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه ، دل على ذلك كله بقوله مظهراً لقوته وسائر صفات كماله ، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف ) خلق الله ) أي الذي لا يداني في

الصفحة 562