كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 570
هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره ، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي ، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فصح أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) ذو ايته ؟ ، وإنه نبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، والمستعمل في ذلك أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء ، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز ، وإذا عجز أؤلئك فمن بعدهم أحق بالعجز ، فلما شمل العجز الكل من الخلق ، وجب العلم بأن هذا القرآن حقن والمتحدي به نبي جاء بالصدق ، وحاصله : لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوان ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا ، فثبت بذلك أنه نبي ( صلى الله عليه وسلم ) انتهى .
ولما كان من المعلوم أنهم يقولون : نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلاً عن أن نكتفي به ، قال : ( قل ( اي جواباً لما قد يقولونه من نحو هذا : ( كفى بالله ) أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات ، الذي شهد لي بالرسالة في كتابة الذي أتبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته .
ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس ، وتفصيل أحوالهم ، ابتدأ بقوله : ( بيني وبينكم ( قبل قوله : ( شهيداً ( بخلاف الرعد والأنعام ، ثم وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله : ( يعلم ما في السماوات ) أي كلها .
ولما لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها ، افرد فقال : ( والأرض ) أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إليّ من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزم عنه فهو شاهد لي ، والله في الحقيقة هو الشاهد لي ، بما فيه من الثناء عليّ ، والشهادة لي بالصدق ، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا .
ولما كان التقدير : وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق ، وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل ، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأؤلئك هو الفائزون ، عطف عليه قوله : ( والذين آمنو بالباطل ) أي الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله ) وكفروا بالله ( الذي يجب الإيمان به والشكر له ، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم ) أؤلئك ( البعداء البغضاء ) هم ( اي خاصة ) الخاسرون ) أي الهريقون في الخسارة ، فإنهم خسروا أنفسهم أبداً .
ولما كان قولهم مرة واحدة ( لولا أنزل عليه آية ) عجباً ، أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه ، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله

الصفحة 570