كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 574
سواه فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالباً لرضاه : ( وكأيّن من دابة ) أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها ) لا تحمل ) أي لا تطيق أن تحمل ) رزقها ( ولا تدخر شيئاً لساعة أخرى ، لأنها قد لا تدرك نفع ذلك ، وقد تدركه وتتوكل ، أو لا تجد .
ولما كان موضع أن يقال : فمن يرزقها ؟ قال جواباً له : ( الله ( اي المحيط علماً وقدرة ، المتصف بكل كمال ) يرزقها ( وهي لا تدخر ) وإياكم ( وأنتم تدخرون ، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم ، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدونن فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه .
ولما كان أهم ما للحيوان الرزق ، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن كان ناطقاً ويهمهم به إن كان صامتاً ، أما العاقل فبأمور كلية ، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية ، وكان العاقل ربما قالك إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك ، قال تعالى : ( وهو السميع ) أي لما يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره ) العليم ) أي بما يعلم من ذلك ، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم ، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه ، وهو قادر على أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيهن ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيراً من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ويصبره .
ولما هوّن سبحانه بخطابه مع امؤمنين بعد أن كان قد ابلغ في تنبيه الطكافرين بإيضاح المقال ، وضرب الأمثال ، ولين المحاورة في الجدال ، ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته ، قال عاطفاً على نحو : فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك عائداً إلى استعطاف المعرضين ، واللطف بالفافلين ، ناهجاً في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة ، فإن السيد إذا كان له عبدان : مصلح ومفسد ، ينصح المفسد ، فإن لم يسمع التفت إلى المصلح ، إعراضاً عنه قائلاً : هذا لا يستحق الخطاب ، فاسمع أنت ولا تكن مثله ، فكان قوله متضمناً نصح المصلح وزجر المفسد ، ثم إذا سمع وعظ أخيه كان ذلك محركاً منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة الفطنة ، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئاً للقبول ، نازعاً إلى الوفاق ، مستهجناً للخلاف : ( ولئن سالتهم ) أي المؤمون وغيره ، وأغلب القصد له : ( من خلق السماوات والأرض ( وسواهما على هذا النظام العظيم ) وسخر الشمس والقمر ( لإصلاح القواتن ومعرفة الأوقات ، وغير ذلك من المنافع .
ولما كان حالهم في إنكار العبث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا الوجود ، أكد تنبيهاً على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتارف بالبعث فقال :