كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 577
مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا الاسم كافٍ في الإلزام بالاعتراف بالأخرى .
ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن المنكر ، وكان في معرض سلب العقل عنهم ، قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم مادة الشر فإنه الباعث عليه فقال : ( إلا لهو ) أي شيء يلهي عما ينفع ) ولعب ( يشتغل به صبيان العقول ، وكل غافل وجهول ، فإن اللهو كل شيء من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء وغيره ، فيحصل به فرح وزيادة سرور ، فيكون سبباً للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن استعمال العقل في اتباع ما ينجي في الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت غليه آية لقمان
77 ( ) ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ( ) 7
[ آية : 6 ] ومنه اللعب ، وهو فعل ما يزيد النفس في دنياها سروراً كالرقص بعد السماع وينقض بسرعة لأنه ضد الجد ومثل الهزل ، وهو كل شيء سافل ، وكل باطل يقصد به زيادة البسط والترويح والتمادي في قطع الزمان فيما يشتهي من غير تعب ، واللعبة - بالضم : التمثال ، وما يلعب به كالشطرنج ، والأحمق يسخر به ، ولعب لعباً : مرح ، وفي الأمر والدين : استخف به .
ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت ، اخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة غيرها فقال : ( وإن الدار الآخرة لهي ) أي خاصة ) الحيوان ) أي الحياة التامة الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء لشيء من الأشياء ، ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة ، وحركته مشعرة بما في الحياة من مطلق الخحركة والاضطراب ، فلا انقضاء لشيء من لعبها زلا لهواها الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط لا في المعنى ، لأنه ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه ، بل كان ذلك بالتسبيح والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح ، والانشراح والأنس والتفريح .
ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة منهما غير منزلتها ، فعدوا الدنيا وجودجاً دائماً على هذا الحالة والآخرة عدماً ، لا وجود لها بوجه ، قال : ( لو كانوا ) أي كوناً هو كالجبلة ) يعلمون ) أي لهم علم ما لم يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة وشدة نفرتهم من الموت ، لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا ، مع أن أصلها عدم الحياة الذي هو الموتان .
ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا يعلمون ، والتي قبلا بأن أكثرهم لا يعقلون ، سبب عن ذلك قوله : ( فإذا ) أي فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم أنهم إذا ) ركبوا ) أي البحر ) في الفلك ( اي السفن ) دعوا الله ) أي الملك الأعلى المحيط بكل

الصفحة 577