كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 583
أهل فارس وإخبار الله تعالى بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل ، وكان من له كتاب أحسن حالاً في الجملة ممن لا كتاب له ، افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحاً بعد أن اشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحاً غيباً وشهادة ، دلالة على وحدانيته وإبطال الشرك ، فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسرُّ المؤمنين بنصرة من له دين صحيح الأصل ، وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل ، وجعل ذلك على وجه يفيد نصر المؤمنين على المشركين ، فقال مبتدئاً بما أفهمه كونه مع المحسنين مع أنه ليس مع المسيئين : ( غلبت الروم ) أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس في زمن أنوشروان أو بعده ) في أدنى الأرض ) أي أقرب ارضهم غلى ارضكم ايها العرب ، وهي في أطراف الشام ، وفي تعيين مكان الغلب على هذا الوجه - بشارة للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم ، فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك المكان .
وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان ، فكأنه تعالى يقول لمن فرح من العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية المسلمين : اتركوا هذا السرور الذي لا يصوب نحوه من له همة الرجال ، وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم ، لتواقعوهم في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم ، ثم لا يقاومونكم بعدها أبداً ، فتغلبوا على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أعتب سبحانه أهل مكة ، ونفى عليهم قبح صنيعهم في التغافل عن الاعتبار بحالهم ، وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع الله بلدهم عن قاصد نبهه ، وكف ايدي العتاه والمتمردين عنهم مع ( تعاور ) أيدى المنتهين على من حولهم ، وتكرر ذلك واطراده صوناً منه تعالى لحرمه وبيته ، فقال تعالى :
77 ( ) أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويخطف الناس من حولهم ( ) 7
[ العنكبوت : 67 ] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار ، وتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع ، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته وملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب ، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر والاستجابة قبل أن يحل بهمنقمة ، ويسلبهم نعمه ، فلما قدم تذكارهم بهذا ، أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلاداً ، وقد ايد عليهم غيرهم ، ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم ، فقالت : ( ألم غلبت الروم في أدنى الأرض ( الآيات ، فكر تعالى غلبة غيرهم لهم ، وأنهم ستكون لهم كرة ، ثم يغلبون ، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده ) ينصر من يشاء ( فلو كشف عن إبصار من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما سلط على من حولهم