كتاب أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (اسم الجزء: 5)

يَتَزَوَّجُ وَلَا يَسْتَغْنِي بِالْمَالِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المراد بالغنى العفاف فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ خَاصًّا فَهُوَ فِي الْأَيَامَى الْأَحْرَارِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ فَيَسْتَغْنُونَ بِمَا يَمْلِكُونَ أَوْ يَكُونُ عَامًّا فَيَكُونُ الْمَعْنَى وُقُوعَ الْغِنَى بِمِلْكِ الْبُضْعِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ عَنْ تَعَدِّيهِ إلَى الْمَحْظُورِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إذًا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَسْأَلَةَ مِلْكِ الْعَبْدِ فِي سورة النحل.

بَابُ الْمُكَاتَبَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَا أَرَاهُ إلَّا واجبا وهو قول عمر وبن دِينَارٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ أَنَسًا بِأَنْ يُكَاتِبَ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَأَبَى فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ وَضَرَبَهُ وَقَالَ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَحَلَفَ عَلَيْهِ لِيُكَاتِبَنَّهُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ إنْ كَانَ لِلْمَمْلُوكِ مَالٌ فَعَزِيمَةٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ وَرَوَى الْحَجَّاجُ عَنْ عطاء قال إنشاء كَاتَبَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْ إنَّمَا هُوَ تعليم وكذلك قوله الشُّعَبِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا تَرْغِيبٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ بِإِيجَابٍ
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ
وَمَا روى عن عمر في قصة سيرين يدل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَحَكَمَ بِهَا عُمَرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَنَسٍ لِمُكَاتَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَنَسٌ أَيْضًا يَمْتَنِعُ مِنْ شَيْءٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا وَاجِبَةً لَمَا رَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ وَلَمْ يَضْرِبْهُ قِيلَ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ كَالْوَالِدِ الْمُشْفِقِ لِلرَّعِيَّةِ فَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ فِي الدِّينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَالْمَصْلَحَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْوُجُوبِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى غَالِبِ ظَنِّ الْمَوْلَى أَنَّ فِيهِمْ خَيْرًا فَلَمَّا كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ لِلْمَوْلَى لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجْبَارُ عَلَيْهِ وقوله إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً
رَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا إنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ حِرْفَةً وَلَا تَدَعُوهُمْ كَلًّا على الناس وذكر ابن جريح عن عطاء إن علمتم فيهم خيرا قَالَ مَا نَرَاهُ إلَّا الْمَالَ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً قَالَ الْخَيْرُ الْمَالُ
فِيمَا نَرَى قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي بِالْخَيْرِ الْمَالَ وَرَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خيرا قَالَ إذَا صَلَّى وَعَنْ إبْرَاهِيمَ وَفَاءً وَصِدْقًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَالًا وَقَالَ الْحَسَنُ صَلَاحًا فِي الدِّينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّلَاحَ فَيَنْتَظِمُ ذَلِكَ الْوَفَاءَ وَالصِّدْقَ وَأَدَاءَ الْأَمَانَةِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إذَا قَالُوا فُلَانٌ فِيهِ خَيْرٌ إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الصَّلَاحَ في

الصفحة 180