كتاب أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (اسم الجزء: 5)

يَكُونَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ إقْرَارِ أَهْلِهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فِيهَا وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا وَعَلَى رِقَابِ أهلها على ما فعله عمر رضى الله عنه فِي أَرْضِ السَّوَادِ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ عُمَرَ فِيمَا فَعَلَهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ بَعْدَ خِلَافٍ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْغَانِمِينَ عَنْ رِقَابِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْغَانِمِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِلْكَ الْأَرْضِينَ وَلَا رِقَابَ أَهْلِهَا إلَّا بِأَنْ يَخْتَارَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ لَمَا عَدَلَ عَنْهُمْ بِهَا إلَى غَيْرِهِمْ وَلَنَازَعُوهُ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْآيَةِ فِي قَوْلِهِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وقوله وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَلَمَّا سَلَّمَ لَهُ الْجَمِيعُ رَأْيَهُ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ بِالْآيَةِ دَلَّ
عَلَى أَنَّ الْغَانِمِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ مِلْكَ الْأَرْضِينَ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ ذَلِكَ لَهُمْ وَأَيْضًا لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأَسْرَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يَسْتَبْقِيَهُمْ وَلَوْ كَانَ مِلْكُ الْغَانِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ لَمَا كَانَ لَهُ إتْلَافُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يُتْلِفُ عَلَيْهِمْ سَائِرَ أَمْوَالِهِمْ فَلَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْأَسْرَى وَلَهُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُمْ فَيَقْسِمَهُمْ بَيْنَهُمْ ثَبَتَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ لِلْغَانِمَيْنِ بِإِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ فِي الرِّقَابِ وَالْأَرْضِينَ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهَا الْإِمَامُ لَهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا
رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا
فَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكًا لِلْغَانِمَيْنِ لَمَا جَعَلَ نِصْفَهُ لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ وَقَدْ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فَقَدْ حَصَلَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالسُّنَّةِ تَخْيِيرُ الْإِمَامِ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِينَ أَوْ تَرْكِهَا مِلْكًا لِأَهْلِهَا وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
حَدِيثُ سَهْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ أَرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ ودمه
فأخبر صلّى الله عليه وسلّم عَنْ مَنْعِ النَّاسِ لَهَذِهِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِينَ وَأَنَّهُمْ يَعُودُونَ إلَى حَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي مَنْعِهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صحة قول عمر رضى الله عنه فِي السَّوَادِ وَأَنَّ مَا وَضَعَهُ هُوَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجِبُ أَدَاؤُهَا فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ فِعْلِ عُمَرَ فِي السَّوَادِ إجْمَاعٌ لِأَنَّ
حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ وَغَيْرَهُ قَدْ رَوَوْا عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنَ يزيد الحماني قال دخلنا على على رضى الله عنه بِالرَّحْبَةِ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ لَقَسَمْت السَّوَادَ بَيْنَكُمْ
قِيلَ لَهُ الصَّحِيحُ عن على رضى الله عنه أنه أشار على عمر

الصفحة 320