كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 7)
والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها» (¬١).
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ رحمه الله: «لَمَّا حَضَرَتْ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الوَفَاةُ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ حَضَرْتُ كَذَا وَكَذَا، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلَّا وَفِيْهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ، أَو طَعنَةٌ بِرُمحٍ، أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، وَهَا أَنَا أَمُوْتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوْتُ العِيْرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الجُبَنَاءِ» (¬٢).
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي اللهُ عنه: «إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالجُبنَ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللهُ حَيثُ شَاءَ، تَجِدُ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ لَا يُبَالِي أَلَّا يَؤُوبَ إِلَى أَهلِهِ، وَتَجِدُ الرَّجُلُ يَفِرُّ عَن أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَتَجِدُ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ».
قال الشاعر:
يَفِرُّ جَبَانُ القَومِ عَنِ ابنِ أُمِّهِ
وَيَحْمِي شُجَاعُ القَومِ مَن لَا يُلَازِمُهُ
ومن قصص الشجاعة التي تُذكر: ما حصل في غزوة بدر، قَالَ مُعَاذُ بنُ عَمرٍو رضي اللهُ عنه: جَعَلْتُ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ شَانِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ فَقَطَعْتُ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي فَطَرَحَ يَدِي وَبَقِيَتْ مُعَلَّقَةً بِجِلْدَةٍ بِجَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي عَنْهَا القِتَالُ، فَقَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي، وَضَعْتُ قَدَمِي عَلَيْهَا، ثُمَّ تَمَطَّاتُ عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا.
قَالَ الذَّهَبِيُّ بَعدَ هَذِهِ القِصَّةِ: هَذِهِ وَاللهِ الشَّجَاعَةُ، لَا كَآخِرِ مَنْ
---------------
(¬١) «فتح الباري» (٦/ ٢٥٤).
(¬٢) «سير أعلام النبلاء» (١/ ٣٨٢).
الصفحة 560