كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 170 """"""
وحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - أن الصرح اجتمع فيه لبنائه خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ممن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير ؛ فلم يزل يبني ذلك الصرح ؛ ويسر الله تعالى له أمره استدراجاً منه ، فأتى الأمر فيه على ما يريد ، إلى أن فرغ في سبع سنين ، فارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض ؛ فشق ذلك على موسى ، فأوحى الله تعالى إليه : أن دعه وما يريد فإني مستدرجه ومبطل كل ما عمله في ساعة واحدة .
قال : فلما تم بنيانه بعث الله عز وجل جبريل فضرب بجناحه الصرح ، فقذف به على عسكر فرعون ، فقتل منهم ألفي ألف رجل .
قالوا : ولم يبق أحد ممن عمل فيه إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة .
قال : وكان تدمير الله تعالى الصرح فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .
قال : فلما رأى فرعون ذلك من أمر الله ، وعلم أن حيلته لم تغن عنه شيئاً عزم على قتال موسى ومن معه ، وأمر أصحابه فنصبوا له الحرب ؛ فلما رأى الله تعالى ذلك من فعل فرعون وقومه ، وأنه حقت عليهم كلمة العذاب ، ابتلاهم الله تعالى بالعذاب والآيات .
ذكر خبر الآيات التسع
قال الكسائي : ثم أخذ الله تعالى قوم فرعون بالآيات التسع ، فكان أول ما جاءهم الطوفان ، فدام عليهم ثمانية أيام لا يرون فيها شمساً ، حتى امتلأت الأسواق والدور ، وأخذت في الخراب ؛ فالتجأوا إلى فرعون ، فقال : سأكشف ذلك عنكم . ودعا موسى وسأله أن يدعو برفع الطوفان ليؤمن به ؛ فطمع موسى في ذلك ، فسأل الله تعالى ، فرفع ذلك عنهم ، فازدادوا كفراً ، فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل أشجارهم وزرعهم ، ودام ثمانية أيام ، ففزعوا إلى فرعون ، فوعدهم بصرفه عنهم وضمن لموسى إن صرفه عنهم آمن به ؛ فدعا ربه ، فأرسل الله على الجراد ريحاً باردة فقتلته ، فلم يؤمنوا ؛ فبعث الله عليهم القمل فأكل جميع ما في بيوتهم ، وقرض ثيابهم وأبدانهم وشعورهم ؛ فضجوا إلى فرعون ، فسأل موسى ووعده الإيمان ؛ فسأل الله

الصفحة 170