كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)
"""""" صفحة رقم 172 """"""
الرجل من القبط يجيء إلى الرجل من بني إسرائيل فيقول له : انطلق معي فاكنس حشي واعلف دوابي واستق لي وتجيء القبطية إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلفها ما لا تطيق ، ولا يطعمونهم في ذلك كله خبزاً ، وإذا انتصف النهار يقولون لهم : اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم . فشكوا ذلك إلى موسى ، فقال لهم : استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قالوا : يا موسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ، كنا نطعم إذا استعملونا من قبل أن تجيئنا ، فلما جئتنا استعملونا ولا يطعموننا . فقال لهم موسى : عسى ربكم أن يهلك عدوكم يعني فرعون والقبط ، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون . قالوا : فلما أبى فرعون وقومه إلا الإقامة على الكفر ، والتمادي في الشر والظلم ، دعا موسى ربه وقال : رب إن عبدك فرعون طغى في الأرض وبغى وعتا وإن قومه نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ، ولمن بعدهم من الأمم عبرة . فتابع الله عليهم الآيات المفصلات بعضها في إثر بعض ، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، ثم بعث عليهم الطوفان وهو الماء أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون ، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبكة مختلطة بعضها في بعض ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة وفاض الماء على وجه أراضيهم كذلك ، فلم يقدروا على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً ؛ ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ؛ فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء ونؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فرفع عنهم الطوفان ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ، وعادوا أشر مما كانوا عليه .
واختلف العلماء في الطوفان ما هو ؛ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هو الماء أرسله الله تعالى عليهم .
وقال مقاتل : هو الماء طغى فوق حروثهم فأهلكها .
وقال الضحاك : هو الغرق .