كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)
"""""" صفحة رقم 175 """"""
يكشف ثوباً ولا إناء ولا طعاماً ولا شراباً إلا وجد فيه ضفادع ؛ وكان الرجل يجلس إلى ذقنه الضفادع ، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه ؛ وكان أحدهم ينام على فراشه وسريره فيستيقظ وقد ركبته الضفادع ذراعاً بعضها فوق بعض ، وصارت عليه حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ؛ وكان أحدهم يفتح فاه لأكلته فتستبق الضفادع إلى فيه ؛ وكانوا لا يعجنون إلا انشدخت فيه ، ولا يطبخون إلا امتلأت القدر بالضفادع ؛ وكانت تثب في نيرانهم فتطفئها ، وفي طعامهم فتفسده ؛ فلقوا منها أذى شديداً .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال : كانت الضفادع برية ، فلما أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت ، فجعلت تقذف أنفسها في القدر وهي تفور ، وفي التنانير وهي مسجورة ، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء .
قال : فضجوا إلى فرعون من أمر الضفادع ، وضاق عليهم أمرهم حتى كادوا يهلكون ، وصارت المدينة وطرقها مملوءة جيفاً من كثرة ما يطأونها بأقدامهم ، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى ، وقالوا : اكشف عنا هذا البلاء فإنا نتوب هذه المرة ولا نعود . فأخذ بذلك عهودهم ومواثيقهم ، ثم دعا الله تعالى فكشف عنهم الضفادع ، فما كان منها حياً لحق بالنيل ؛ وأرسل الله تعالى ريحاً على الميت منها فنفخته عن مدينتهم بعدما قامت عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فأقاموا شهراً في عافية ؛ وقيل : أربعين يوماً . ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم وتكذيبهم ، فدعا عليهم موسى ، فأرسل الله تعالى عيهم الدم ، وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يذهب إلى شاطئ النيل ويضربه بعصاه ؛ ففعل ذلك ، فسال النيل عليهم دماً ، وصارت مياههم كلها دماً عبيطاً ، فما يشربون من الأنهار والآبار ألا وجدوا دماً أحمر عبيطاً ؛ فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا ؛ إنا قد ابتلينا بهذا الدم ، وليس لنا شراب . فقال : إنه قد سحركم . فكان يجمع بين الرجلين على الإناء : القبطي والإسرائيلي فيسقيان من ماء واحد ، فيخرج ماء القبطي دماً ، وماء الإسرائيلي عذباً ؛ وكانا يقومان إلى الجرة فيها الماء ، فتخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دماً ، حتى أن المرأة من آل فرعون كانت