كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 176 """"""
تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول : اسقني من مائك . فتغرف لها من جرتها ، وتصب لها من قربتها ، فيعود في الإناء دماً ، حتى إن كانت المرأة تقول لها : اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي ، فتأخذ في فيها ماء ، فإذا مجته في فيها صار دماً ، والنيل على ذلك يسقي الزرع والشجر ؛ فإذا ذهبوا ليستقوا من بين الزرع عاد الماء دماً عبيطاً . قالوا : وإن فرعون اعتراه العطش في تلك الأيام ، حتى إنه أضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة ، فكان إذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحاً أجاجاً ومراً زعاقاً ؛ فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون ولا يشربون إلى الدم ؛ فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فكشف عنهم ذلك ، وأمر أن يضرب بعصاه النيل مرة أخرى ؛ ففعل فتحول صافياً كما كان ، فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه ، وذلك قوله تعالى : " فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات " .
وقال نوف البكالي - وهو ابن امرأة كعب الأحبار - : مكث موسى في آل فرعون عشرين سنة بعد ما غلب على السحرة يريهم الآيات : الجراد والقمل والضفادع والدم .
وقال الضحاك : لما يئس موسى من إيمان فرعون وقومه ، ورأى أنهم لا يزدادون إلا الطغيان والكفر والتمادي ، دعا عليهم موسى وأمن هارون . ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .
فأجابه الله دعاءه ، كما قال تعالى : " قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما " الآية .
قال : وكان لفرعون وأصحابه من زهرة الدنيا وزينتها من الذهب والفضة واليواقيت وأنواع الجواهر والحلي مالا يحصيه إلا الله تعالى ؛ وكان أصل ذلك المال مما جمعه يوسف - عليه السلام - في زمانه أيام القحط ، فبقي ذلك في أيدي القبط ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : أني مورث بني إسرائيل ما في أيدي آل فرعون من

الصفحة 176