كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
أخر ، وقال له : أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ؟ .
قال : وكانت فتنة بني إسرائيل في العشر ليالي التي زادها الله تعالى ؛ فلما مضت . أربعون ليلة تطهر موسى وطهر ثيابه لميقات ربه ؛ فلما أتى طور سيناء كلمه ربه وناجاه ، وقربه وأدناه ، كما قال تعالى : " وقربناه نجياً " .
قال وهب : كان بين الله تعالى وبين موسى سبعون حجاباً ، فرفعها كلها إلا حجاباً واحداً ، فسمع موسى كلام الله تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها ، فقال ما أخبر الله - عز وجل - به عنه في كتابه ، قال الله تعالى : " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك " . فقال الله تعالى له : " لن تراني " وليس يطيق البشر النظر إلي في الدنيا ، من نظر إلي مات . قال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت النظر إليك ، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحي إلي من أن أعيش ولا أراك . فقال له تعالى : " انظر إلى الجبل " وهو أعظم جبل يقال له : الزبير .
قال : وذلك أن الجبال لما علمت أن الله تعالى يريد أن يتجلى لجبل منها تعاظمت وتشامخت رجاء أن يتجلى الله تعالى لها ، وجعل الزبير يتواضع من بينها فلما رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينها ، وخصه بالتجلي ، قال الله تعالى : " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " . فتجلى الله تعالى للجبل .
قال : واختلف العلماء في معنى التجلي ؛ قال ابن عباس : ظهر نوره للجبل . وقال الضحاك : أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر الثور .
وقال عبد الله بن سلام وكعب : ما تجلى من عظمة الله تعالى للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً .

الصفحة 182