كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
قومه ؛ فوضعت الألواح على السماء فلم تطق حملها لثقل العهود والمواثيق ؛ فقالت : يا رب كيف أطيق حمل كتابك الكريم الثقيل المبارك ؟ وهل خلقت خلقاً يطيق حمل ذلك ؟ فبعث الله تعالى جبريل وأمره أن يحمل الألواح فيبلغها موسى ، فلم يطق حملها ، فقال : يا رب من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها من النور والبيان والعهود ؟ وهل خلقت خلقاً يطيق حملها ؟ فأمده الله تعالى بملائكته يحملونها بعدد كل حرف من التوراة ؛ فحملوها حتى بلغوها موسى ؛ فعرضوا له الألواح على الجبل ، فانصدع الجبل وخشع ، وقال : يا رب من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها ؟ فلما وضعتها الملائكة على الجبل بين يدي موسى - وذلك عند صلاة العصر - قبض موسى عليها فلم يطق حملها ، فلم يزل يدعو حتى هيأ الله تعالى له حملها ؛ فحملها ، فذلك قوله تعالى : " يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين " . قال : وأما العشر كلمات التي كتبها الله تعالى لنبيه موسى في الألواح - وهي معظم التوراة ، وعليها مدار كل شريعة - فهي : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، هذا كتاب من الله الملك الجبار العزيز القهار لعبده ورسوله موسى بن عمران ، سبحني وقدسني ، لا إله إلا أنا فاعبدني ولا تشرك بي شيئاً ، واشكر لي ولوالديك إلي المصير ، أحيك حياة طيبة ؛ ولا تقتل النفس التي حرم الله عليك فتضيق عليك السماء بأقطارها والأرض برحبها ؛ ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أطهر ولا أزكي من لم يعظم اسمي ؛ ولا تشهد بما لا يعي سمعك ولا تنظر عينك ولم يقف قلبك عليه فإني أقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة ، وأسائلهم عنها ؛ ولا تحسد الناس على ما آتيتهم من فضلي ورزقي ، فإن الحاسد عدو لنعمتي ، ساخط لقسمتي ؛ ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك وجهي ، وأغلق دون دعوتك أبواب السموات ؛ ولا تذبح لغيري ، فإنه لا يصعد إلي من قربان الأرض إلا ما ذكر اسمي عليه ؛ ولا تغدرن بحيلة جارك فإنه أكبر مقتاً عندي ؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك . فهذه العشر كلمات ؛ وقد أنزل الله - عز وجل - على نبينا محمد - ( صلى الله عليه وسلم ) - مثلها في ثماني عشرة آية ، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل :

الصفحة 186