كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 60 """"""
الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة نبني منها مدينة كما وصفت لنا ؟ فقال لهم شداد : ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلها بيدي ؟ فقالوا : بلى . قال : انطلقوا إلى كل موضع فيه معدن من معادن الزبرجد والياقوت والذهب والفضة ، وكلفوا من كل قوم رجلاً يخرج لكم ما في كل معدن من تلك الأرض ؛ ثم انظروا إلى ما في أيدي الناس من ذلك فخذوه ، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن ، فإن معادن الدنيا فيها كثير من ذلك فخذوه ، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن ، فإن معادن الدنيا فيها كثر من ذلك ، وما فيها مما لا تعلمون أكثر وأعظم مما كلفتكم من صنعة هذه المدينة .
قال : فخرجوا من عنده ، وكتب معهم إلى كل ملك من ملوك الدنيا يأمره أن يجمع لهم ما في بلده من الجواهر ، ويحفر معادنها ؛ فانطلق القهارمة ، وبعث الكتب إلى الملوك بأخذ كل ما يجدونه في أيدي الناس عشر سنين من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة ، ويبعثون بذلك إلى فعلة إرم ذات العماد . وخرج الفعلة يطلبون موضعاً كما وصفه لهم شداد .
فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، كم كان عدد أولئك الملوك الذين كانوا تحت يد شداد ؟ قال : كانوا مائتين وستين ملكاً .
قال : فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة ، فتفرقوا في الصحارى ليجدا ما يوافق غرضه ؛ فوقعوا في صحراء عظيمة نقية من الجبال والتلال . وإذا هم بعيون مطردة ، ؛ فقالوا : هذه صفة الأرض التي أمرنا بها ؛ فأخذوا منها بقدر ما أمرهم به من العرض والطول ، ثم عمدوا إلى موضع الأزفة فأجروا فيها قنوات الأنهار ، ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني ، وعجنوا طين ذلك الأساس من دهن البان والمحلب ، فلما فرغوا من وضع الأساس بعث بالعمد والذهب والفضة من جهة الملوك ؛ فتسلمها الوزراء والقهارمة ، وأقاموا حتى فرغوا من بنائها على ما أراد شداد .
فقال معاوية : يا أبا إسحاق ، إني لأحسبهم أقاموا في بنائها زمناً من الدهر . قال : نعم يا أمير المؤمنين . إني لأجد في التوراة مكتوباً أنهم أقاموا في بنائها ثلاثمائة

الصفحة 60