كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 13)

"""""" صفحة رقم 74 """"""
خلفها ، فتصعد إلى رءوس الجبال ، ولا تمر بشجرة إلا التفت عليها أغصانها فتأكل أطايب أوراقها ؛ ثم تهبط إلى الأودية فترعى هناك ، فإذا أمست تدخل المدينة وتطوف على دور أهلها ، وتنادي بلسان فصيح : ألا من أراد منكم اللبن فليخرج . فيخرجون بآنيتهم ، فيضعونها تحت ضرعها ، واللبن يشخب حتى تمتلئ الآنية ، فإذا اكنفوا عادت إلى المسجد ، وتسبح الله حتى تصبح ، ثم تخرج إلى المرعى وهذا دأبها .
قال : وكان للقوم بئر يشربون منها ليس لهم سواها ، فإذا كان يوم الناقة تأتى وتدلى رأسها فتشربه وتقول : " الحمد لله الذي سقاني من فضل مائه ، وجعلني حجة على آل ثمود " .
وكانت تمج من فيها إلى فم الفصيل حتى يروى ؛ فإذا كان يوم القوم أتوا البئر ونزحوا ما فيها ؛ وكانت الناقة تقول إذا أصبحت : إلهي كل من شرب من لبني وآمن بك وبرسولك فزده إيماناً ويقيناً ، ومن لم يؤمن بك وبرسولك فاجعل ما يشرب من لبني في بطنه داء لا دواء إنك على كل شيء قدير .
ذكر خبر عقر الناقة وهلاك ثمود
قال : فلما كانت تدعو بذلك صار القوم إذا شربوا لبنها اعترتهم الحكة في أبدانهم ، فاجتمعوا وقالوا : ليس لنا في هذه من خير ؛ وأجمعوا على عقرها ، وكانت فيهم امرأة يقال لها : عنيزة بنت غنم بن مجلز ، تكنى أم غنم ، وهي من بنات عبيد بن المهل ، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو ، وهي عجوز مسنة ، ولها أموال ومواش ، ولها أربع بنات من أجمل النساء ، وبجوارها امرأة يقال لها : صدوف بنت المحيا بن فهر ، ولها أيضاً مواش كثيرة ؛ فدعتا قومهما إلى عقر الناقة ، فلم يجيبوهما إلى ذلك ، فبينما صدوف كذلك إذ مر بها رجل يقال له الحباب وكان مولعاً بالنساء فعرضت نفسها عليه على أن يعقر الناقة ، فامتنع ، فقالت له : لقد جبن قلبك ، وقصرت يدك ، وتركته ؛ وأقبلت على ابن عم لها يقال له : مصدع فكشفت عن وجهها ، وعرضت نفسها عليه على أن يصدقها عقر الناقة ؛ فأجاب .

الصفحة 74